|
شهدنا مؤخراً انتشار ظاهرة لافتة على منصة "تيك توك"، والتي تُجسّد التحوّل المتسارع في سلوكيات استهلاك السلع الفاخرة بين الشباب السعودي. يُعرب شباب وشابات الجيل "زد" في المملكة صراحةً عن اختيارهم التفكير بأسلوب مختلف رغم قدرتهم المالية على تحمل تكاليف إقامة أعراس مترفة بما تنطوي عليه من فساتين زفاف فاخرة وحفلات ضخمة. وقد ألهمتنا تجاربهم المصورة لتحليل هذه العقلية المتنامية في المجتمع السعودي، حيث يعطي هؤلاء الشباب الأولوية للقيمة المعنوية والاستمتاع بالتجربة في حد ذاتها، من منظورهم، بدلاً من مجرد التباهي بمظاهر الثراء التقليدية أو امتلاك السلع المحلية الفاخرة كالذهب والأقمشة الراقية. يعكس ذلك الفكر تحولاً جوهرياً في سلوك مستهلكي السلع الفاخرة في المملكة. وبالنظر إلى هذه الأصوات الشابة على وسائل التواصل الاجتماعي ودراسة السوق، بما في ذلك التقرير الأخير الصادر عن شركة "ماكينزي آند كومباني" حول حالة سوق الموضة الفاخرة، نرى أنه بات من الضروري للعلامات التجارية السعودية الفاخرة تحويل تركيزها الاستراتيجي من المفاهيم التقليدية للثقافة والأصالة، نحو التوافق مع التفضيلات الواقعية للشباب السعودي وما يرغبون بشرائه فعلياً، وذلك لكي تتمكن من منافسة العلامات التجارية العالمية بفعالية. حتى نهاية 2024، بلغ إجمالي قيمة سوق السلع الفاخرة في دول مجلس التعاون الخليجي الست أكثر من 16.9 مليار دولار، حيث تسيطر المملكة العربية السعودية على نحو 40% من السوق، مع توقع زيادة حصتها في ظل توسّع العلامات التجارية العالمية في المملكة. بينما تهيمن الإمارات العربية المتحدة منفردة على الحصة الأكبر من السوق بنحو 50%. وبالنظر إلى البنية الديموغرافية للمجتمع السعودي، حيث يزيد عدد السكان تحت سن الثلاثين على 63% منذ عام 2023، يصبح من الضروري للعلامات الفاخرة السعودية إعادة تصميم عروضها لتلبية متطلبات المستهلكين الشباب من الجيل زد ومجاراة اهتماماتهم.
🔎 التركيز على الأداء المالي لا التراث يتطلب التحول الأساسي من هذا المنطلق الابتعاد عن التركيز على سرد القصص التراثية والتوجه نحو نهج جديد يركز على النتائج المالية وقابلية التوسع التشغيلي والاستدامة طويلة الأمد. وبينما يظل الإبداع الفني جزءاً أساسياً من تميز العلامات التجارية الفاخرة، إلا أن بيانات الصناعة الحديثة في المملكة تُظهر أهمية إعطاء الأولوية للمؤشرات المالية على حساب الإبداع الفني أو إرث العلامات التجارية التاريخي أو قيمتها العاطفية المجردة. بلغ حجم سوق الموضة الفاخرة في السعودية 2.4 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 3.1 مليار دولار بحلول 2033، ليسجل معدل نمو سنوي مركب متواضع يداني 3.09% خلال الفترة بين عامي 2025 و2033. ويُعد قطاع الساعات والمجوهرات هو الأكبر في سوق السلع الفاخرة، حيث قارب 856.62 مليون دولار في 2025. ![]() وبما أن استهلاك السلع الفاخرة يعتمد بالأساس على متوسط الإنفاق على تلك السلع لكل أسرة بغض النظر عن عدد السكان، سنقارن نمو السوق السعودية بسوق أخرى في اقتصاد ناشئ مثل الهند. فالاقتصاد الذي يتمتع بمستوى مرتفع من الدخل المتاح للإنفاق يمكنه استيعاب سوق فاخرة أكبر وأكثر استقراراً مقارنةً بالاقتصادات ذات الكثافة السكانية الأعلى ولكن بمتوسط دخل أدنى. بلغ دخل الأسر المتاح للإنفاق في السعودية 18,260 دولار سنوياً في 2025، مقارنة بأقل من 10 آلاف دولار لكل أسرة في الهند. وقد قُدّرت قيمة سوق الموضة الفاخرة في الهند بنحو 9.37 مليار دولار في 2024، مع توقع وصولها إلى 15.13 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب 5.03% خلال الفترة نفسها. يشير النمو المتواضع لسوق الموضة الفاخرة في السعودية إلى أن استهلاك السلع المرتبطة بهذه السوق يشهد ركوداً نسبياً. فإذا كانت العلامات التجارية الفاخرة السعودية تسعى للحفاظ على مركز مالي قوي في سوق ينجذب فيها المستهلكون من الشباب نحو العلامات التجارية العالمية والمعايير الغربية للموضة، يصبح من الضروري تكييف استراتيجياتها للتركيز على الملاءمة والتفاعل مع المستهلكين. فالاعتماد على الحرفية التقليدية أو سرد القصص وحده لم يعد كافياً لجذب اهتمام هذا الجيل الرقمي والحفاظ على ولائه. تتوافق تحليلاتنا مع ما أشار إليه سابياشاشي موخيرجي، مؤسس أكبر علامة تجارية فاخرة هندية متخصصة في تصميم الساري التقليدي، والذي صرح في مقابلة تلفزيونية في مارس 2025 بأنه اضطر لإعادة توجيه نموذج أعماله نحو إنتاج ملابس على الطراز الغربي لعملاء السلع الفاخرة من خلال علامته التجارية، ولكن باستخدام الخامات والأيدي العاملة الهندية، للحفاظ على قدرتها التنافسية في السوق المحلية. 📈 الدور الاستراتيجي للترخيص في نمو سوق السلع الفاخرة السعودية وبالنظر إلى تباطؤ وتيرة نمو السوق وتغير تفضيلات المستهلكين، يمكن أن تُشكل اتفاقيات الترخيص المبرمة مع العلامات التجارية العالمية أداة فاعلة لتمكين العلامات السعودية من الاستفادة من هذه السمعة العالمية. تكتسب هذه الشراكات أهمية قصوى رغم النمو البطيء المتوقع للسوق العالمية للسلع الفاخرة، نظراً لما توفره من مكاسب استراتيجية تتمثل في إتاحة إنتاج أو تسويق أو توزيع المنتجات تحت مظلة اسم العلامة التجارية العالمية المرموقة، مع توظيف الخامات السعودية ودمج السمات الثقافية المحلية في التصميم والتسويق، دون الاضطرار لتأسيس علامة تجارية فاخرة جديدة من الصفر. وغالباً ما تتمتع العلامات التجارية المشهورة عالمياً بحقوق حصرية في تصاميمها وخاماتها المبتكرة، وأنماطها المميزة التي يصعب على العلامات المحلية الناشئة محاكاتها بشكل مستقل. يعتقد عمالقة الموضة الفاخرة أن بناء علامة تجارية من هذا النوع يستغرق ما لا يقل عن مئة عام، إذ يتطلب تأسيس إرث عميق متجذر في الحرفية والجودة، وفوق كل ذلك، التفرد والهوية. يُذكر أن أعمار علامات فاخرة مثل هيرميس و كارتييه و لويس فويتون تتجاوز 170 عاماً. ![]()
⁉️ تجارب لا تُقدَّر بثمن تعمد العلامات الفاخرة العالمية الراسخة إلى تحويل تركيزها من النماذج التقليدية التي تدور في فلك تسويق العلامة التجارية أو المنتج بحد ذاته، نحو ابتكار تجارب استثنائية لا تُقدَّر بثمن. لذلك، تستثمر العلامات التجارية الفاخرة العالمية بكثافة في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات لتعميق فهمها رحلة عملائها من الجيل زد وتقديم تجربة مُصممة خصيصاً لتناسب تطلعاتهم. وعليه، تستضيف العلامات الفاخرة الشهيرة فعاليات وعروض حصرية ولقاءات خاصة مصممة بعناية لإرضاء العملاء الأثرياء أو الواعدين من هذا الجيل. غالباً ما تتيح هذه المناسبات للعملاء التفاعل بشكل مباشر مع المصممين أو المشاهير، حيث تُعد أداة حاسمة لتعزيز ولاء العميل وقيمته الاقتصادية بالنسبة للعلامة التجارية على المدى الطويل. وتقدم علامات مثل لويس فيتون أو برادا خدمات التصنيع حسب الطلب، مما يتيح للعملاء تخصيص الحقائب أو الأحذية أو الإكسسوارات بتطريز فريد أو مواد مميزة أو عناصر تصميم حصرية. وتفرض هذه الخدمات الحصرية أسعاراً مرتفعة، تتراوح عادةً بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف سعر المنتج القياسي. يعكس هذا التباين الأهمية التي يوليها المستهلكون للتفرد المصاحب لامتلاك منتجات العلامات التجارية الفاخرة. فعلى سبيل المثال، قد تُباع حقيبة لويس فويتون المصممة حسب الطلب بسعر يتراوح بين 10 آلاف إلى 50 ألف يورو، مقارنةً بالنسخة القياسية التي تكلف ألفي يورو تقريباً، حيث يُبرر الفارق الهائل في السعر بتجربة التخصيص والتفرد التي يحظى بها عملاء العلامات الفاخرة الكبرى. كما تشمل الابتكارات الرقمية عروضاً أولية عبر تقنية الواقع الافتراضي (VR) للإصدارات أو مجموعات الأزياء القادمة، ولقاءات افتراضية حصرية مع المصممين، أو مقتنيات رقمية محدودة الإصدار (NFTs). غالباً ما تُقدّم هذه التجارب الافتراضية لكبار العملاء باعتبارها بطاقة مرور رقمية، ما يخلق إحساساً بالحصانة والتفرد. ورغم صعوبة قياس تأثر هذه المبادرات على المبيعات المباشرة، إلا أنها تعزز ولاء العميل الرقمي، ما قد يزيد من الإنفاق طويل الأمد بنسبة 10% إلى 20% بين عملاء الجيل زد وفقاً لتقديرات الصناعة. 📊 التحوّل في قيم الفخامة
على الرغم من أن الاستدامة قد لا تُشكل العامل الأساسي في قرارات شراء المنتجات الفاخرة، إلا أن المستهلكين من الجيل زد يولون أهمية كبيرة للممارسات الأخلاقية وعوامل الشفافية والمسؤولية الاجتماعية التي تتجلى في الاستراتيجيات الإنتاجية للعلامات التجارية الفاخرة. فمثلاُ، كان بإمكان مصممة الأزياء البريطانية، ستيلا مكارتني، اتباع المسار التقليدي للعلامات الفاخرة بسهولة. لكنها، عوضاً عن ذلك، اختارت أن تكون رائدة في مجال الموضة الفاخرة المستدامة. تجنّبت مكارتني، منذ البداية، استخدام الجلود والفراء والريش في جميع تصميماتها، وهو موقف ثوري في صناعة الموضة الفاخرة آنذاك. وبالإضافة إلى علامتها الفاخرة الأساسية، تواصل مكارتني الاستثمار في البدائل الجديدة للأقمشة والخامات غير المستدامة. يختلف عملاء الموضة الفاخرة من الجيل زد عن آبائهم والأجيال الأقدم، حيث كشفت دراسة أكاديمية حديثة بعنوان تفضيلات الاستدامة لدى مستهلكي السلع الفاخرة: هل كل ما يلمع أخضر (مستدام)؟ أن الأجيال الأكبر سناً ترى الاستدامة ميزة يستحسن وجودها لكنها ليست ضرورة، وبالتالي لا يخصصون موارد مالية إضافية لضمانها. وبحسب الدراسة، التي استندت إلى مقابلات مع أثرياء ألمان، وُجد أنه حتى عند إيصال رسائل الاستدامة من قبل العلامات التجارية الفاخرة، يميل هؤلاء المستهلكون إلى تجاهلها أو إهمالها عند اتخاذ قرارات الشراء، مركّزين بدلاً عن ذلك على جودة المنتج وسمعة العلامة التجارية. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |