|
في خضم السوق الائتمانية شديدة التنافسية في المملكة العربية السعودية، برزت ظاهرة لافتة بين المستخدمين كثيفي الاعتماد على البطاقات الائتمانية، إذ يعمد هؤلاء إلى استخدام نقاط المكافآت عبر بطاقات متعددة بهدف تعزيز تدفقاتهم النقدية وخفض تكاليف الاقتراض. تُعرف هذه الممارسة غالباً بمراجحة النقاط، والتي تنطوي على استخدام منهجي للمكافآت المحصلة من بطاقة ائتمانية لتسوية رصيد أخرى، مما يُنشئ عملياً تحويل ائتماني داخلي قد يؤثر على الوضع المالي للأفراد وديناميكيات السوق الأوسع على حدٍ سواء، كما سنوضح في سياق تحليلنا هذا. تَعظمُ منفعة هذه الممارسة تحديداً للشرائح ذات الدخل المرتفع أو معدلات الإنفاق الكبيرة، نظراً لأن أحجام إنفاقهم تولّد تراكماً ملحوظاً للنقاط. وقد قمنا بتحديد ثلاثة أنظمة مكافآت من ثلاثة مصادر مختلفة للبطاقات الائتمانية داخل المملكة، يقدم كل منها قيمة نقدية تقريبية مقابل كل 50 ألف نقطة مُجمعة. وتتراوح قيمة الاسترداد في هذه الأنظمة بين 1,500 و2,500 ريال مقابل هذا العدد من النقاط، استناداً إلى نمط إنفاق مطرد يقارب 11 ألف ريال لكل معاملة. ولضمان الحياد وتفادي أي ترويج غير مقصود، امتنعت منصتنا عمداً عن ذكر أسماء هذه البطاقات أو معلوماتها التفصيلية أو برامج مكافآتها، مما يتيح لنا تقديم دراسة موضوعية محايدة. تسعى البنوك وشبكات الدفع إلى تسويق البطاقات الائتمانية عبر عروض ترويجية جذابة تشمل الاسترداد النقدي ونقاط المكافآت وأميال الطيران وعروض التقسيط دون رسوم، الأمر الذي يحفز المستهلكين على استخدام بطاقات الائتمان في جميع معاملات الشراء بغض النظر عن حجمها. أما البطاقات الائتمانية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، فتقوم على نموذج المشاركة في الأرباح والخسائر أو الأجرة (باعتبارها رسوماً خدمية)، وتضمن توافق جميع المعاملات مع المباديء والأخلاقيات الإسلامية. وعادةً ما تستبدل هذه البطاقات القروض القائمة على الفائدة برسوم ثابتة مقابل الخدمة، مع الاستمرار في منح نقاط مكافآت. سجّلت قروض البطاقات الائتمانية الممنوحة من المصارف السعودية ثاني أعلى مستوى لها على الإطلاق خلال الربع الأول من 2025. ووفقاً لبيانات البنك المركزي السعودي، فقد بلغ حجم الاقتراض عبر البطاقات الائتمانية 30.66 مليار ريال خلال الربع الأول من العام الجاري. 🔎 استراتيجية مالية أم عبء مالي؟ من خلال استبدال النقاط بما يعادلها نقداً، يتمكن مستخدمو البطاقات الائتمانية الذين يلجأون إلى مراجحة النقاط من خفض صافي تكاليف الفوائد، لا سيما إذا كان لديهم أرصدة كبيرة في حسابات ائتمانية متعددة. على سبيل المثال، يُقلص توظيف نقاط بمبلغ 1,500 ريال من البطاقة (أ) لتخفيض دين مستحق بقيمة 11 ألف ريال، من العبء الفعلي للفائدة، نظراً لأن رسوم الفائدة تُحتسب عادةً بناءً على الرصيد المتبقي. ويمكن اعتبار هذا التحويل الداخلي للائتمان عبر نقاط المكافآت شكلاً من أشكال إدارة السيولة. ظاهرياً، يبدو المقترض وكأنه يدير دينه بكفاءة عبر استغلال المكافآت، مما يدل على براعة في توظيف الأدوات المالية بذكاء استراتيجي. ولكن، إذا أشار النمط إلى الاعتماد المتكرر على النقاط كبديل عن التدفق النقدي، فقد ينذر ذلك بوجود قيود على السيولة ومخاطر ائتمانية. وقد يلجأ المُقترض إلى النقاط كحل مؤقت لا استراتيجية مالية مستدامة، خاصة وأن الموارد غير النقدية قد لا تتوافر على الدوام. في الربع الأول من 2025، شهد تمويل البطاقات الائتمانية في المملكة العربية السعودية نمواً ملحوظاً، حيث ارتفعت القروض بنسبة 12.53% سنوياً. ويعكس هذا النمو اتجاهاً مستمراً لزيادة اعتماد المستهلكين على البطاقات الائتمانية، بما يجسد تحولاً أوسع نحو المدفوعات الرقمية وغير النقدية، وتطور أنماط الإنفاق داخل الاقتصاد السعودي.
📈 "المنافسة الداخلية" وتداعياتها على ربحية المصارف تُنشئ هذه الممارسة ديناميكية سوق داخلية قد تُوهن الربحية الفعلية للمصارف، إذ قد يُؤدي هذا السلوك إلى إضعاف أرباحها من الفوائد والرسوم، لكون الأرصدة يُعاد توزيعها عبر النقاط بدلاً من تسويتها من خلال التدفقات النقدية الفعلية، مما يُقلص من سيطرة البنك على مصادر الإيرادات. من جهةٍ أخرى، قد يُفضي تخفيض الأرصدة الائتمانية أو نقلها بين البطاقات إلى تراجع في رسوم التأخير ورسوم تجاوز الحد الائتماني والرسوم السنوية، لا سيما إذا عمد المستهلكون إلى إغلاق بعض الحسابات أو تقليص مستوى النشاط عليها. بالتالي، تُقوض تحويلات الائتمان الداخلي قدرة المصرف على استدامة هامش ربح مستقر عبر مختلف منتجاته، نظراً لأن هذا النشاط يكون مدفوعاً أكثر بتعظيم العائد من المكافآت بدلاً من تلبية احتباجات فعلية أو بناء علاقات مصرفية طويلة الأمد. لنأخذ على سبيل المثال ربحية أحد البنوك من بطاقتين ائتمانيتين لعميل واحد وفي كل بطاقة رصيد ائتماني يقدر ب 11 الف ريال. يبلغ إجمالي دخل البنك من الفوائد على البطاقتين قبل استرداد المكافآت 3,850 ريالاً سنوياً، بواقع 2,200 ريال من البطاقة (أ) عند نسبة فائدة 20%، و1650 ريالاً من البطاقة (ب) عند نسبة فائدة 15%. وبعد أن يقوم العميل باسترداد مكافآت بقيمة 1,500 ريال لسداد جزء من رصيد البطاقة (أ)، ينخفض رصيدها إلى 9,500 ريال، مما يقلص دخل الفائدة من 2,200 ريال إلى 1,900 ريال. بينما يظل دخل الفائدة من البطاقة (ب) ثابتاً عند 1650 ريالاً. ونتيجة لذلك، ينخفض إيرادات إجمالي الفوائد السنوية من البطاقتين الصادرتين من نفس المصرف بمقدار 300 ريال. يُجسّد هذا المثال كيف يمكن لاسترداد نقاط المكافآت أن يؤدي إلى تآكل الأرباح المعتمدة على الفوائد. كما يوضح أيضاً كيف يُحفِّز العميل ما يشبه المنافسة الداخلية بين منتجات المصرف نفسه، كونه ينقل الأرصدة من بطاقة إلى أخرى أو يختار البطاقة الأكثر سخاءً في المكافآت بهدف استخدام نقاطها لسداد رصيد بطاقة ائتمانية أخرى. فتكون المحصلة هي تنافس البطاقات الائتمانية داخل المصرف الواحد على أرصدة العميل واستمرارية تفاعله، بدلاً من التنافس مع مؤسسات مالية أخرى. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |