|
في قلب حي المال والأعمال، بزغ نجم إحدى شركات البتروكيماويات ككيان اقتصادي صاعد، حيث أبهرت المستثمرين بأرباحها الفصلية المرتفعة وقوائمها المالية الواعدة على مدى سنوات. كان مجلس إدارة الشركة يوجه دفتها بتركيز شديد على المؤشرات المالية، مستهدفاً تحقيق طفرة في تقرير الأرباح التالي طوال الوقت، متجاهلاً التحذيرات الخافتة حول المخاوف البيئية باعتبارها أموراً ثانوية لا تستحق الالتفات. وبعدما طُرح عرض استحواذ ضخم من إحدى كبريات شركات الطاقة في الخليج العربي، اشتعلت العناوين في الإعلام الغربي والإقليمي بأخبار صفقة تاريخية قد تعيد رسم خريطة صناعة البتروكيماويات. ومن ثم، قفز سعر سهم الشركة الواعدة إلى مستويات قياسية، وبدا أنها مقبلة على ازدهار غير مسبوق. مع ذلك، كان ثمة خطراً بيئياّ داهماً يتربصها في الخفاء. ففي أعماق مجمعها الصناعي المترامي الأطراف، ظلّت بقعة نفايات سامة تتسرب ببطء إلى المياه الجوفية المحيطة. وثق الخطر داخلياً، لكن لم يُفصح عن هذه القنبلة الموقوتة للجهات التنظيمية ولا للمستثمرين. فقد كانت المخاطر البيئية خارج نطاق المنظور المالي الضيق لإدارة الشركة، والمدفوع آنذاك بأرباح قصيرة الأجل. وبما أن الميزانية العمومية لا تُظهر هذه المخاطر، فهي ـ بنظر الإدارة ـ غير ذات صلة. غير أن تقريراً إعلامياً كشف لاحقاً عن الضرر البيئي الخفي. فتهاوت أسعار السهم، وتلاشت ثقة المساهمين، وسرعان ما تحوّل الوعد بنمو الشركة دون هوادة إلى أزمة وجودية خانقة. لقد كان ثمن إهمال الاستدامة أكبر بكثير من مجرد خسارة الصفقة أو تراجع قيمة السهم؛ بل كان بقاء الشركة نفسها على المحك. تجد هذه القصة الرمزية صداها في واقعة حقيقية بطلتها شركة سانتوس (Santos Ltd.)، وهي إحدى كبريات الشركات الاسترالية المنتجة للطاقة. فقد تعثر عرض بقيمة 19 مليار دولار قدمه تحالف تقوده شركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك (Abu Dhabi National Oil Company ADNOC) للاستحواذ على شركة سانتوس بشكل مفاجيء، وفقاً لتقرير نشرته بلومبيرج في 18 سبتمبر 2025. وبينما عكفت أدنوك وشركائها على وضع اللمسات النهائية على الصفقة، ظهرت تقارير إعلامية حول تسرب كبير لغاز الميثان في أحد مواقع عمليات سانتوس، وهو خطر بيئي لم يُفصح عنه بشكل كامل أو يُدمج ضمن تقييم مخاطر صفقة الاستحواذ على ما يبدو. يُعدّ غاز الميثان من الغازات الدفيئة القوية، كما أن له أثر حراري أشد بأضعاف من ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير، ما يجعل الكشف عن التسربات أمراً بالغ الأهمية لتقييم المخاطر البيئية والمالية للصفقة بدقة. وقد أثار هذا الكشف قلق الشركات المتقدمة بعروض الاستحواذ، وألقى بظلال من الشك على شفافية الشركة وممارساتها المرتبطة بالامتثال لمعايير الاستدامة. وفي غضون أسابيع، تراجعت أدنوك وانهارت الصفقة. ![]() 🔎 تأمين مستقبل الوقود الأحفوري في الخليج العربي أدركت كبريات شركات الطاقة في الخليج تصاعد المخاطر المرتبطة بما يُعرف أكاديميا بـ أصول الوقود الأحفوري العالقة، أي الأصول النفطية والغازية المهددة بفقدان قيمتها في ظل تشديد السياسات المناخية العالمية، لا سيما تلك الناشئة عن اللوائح الأوروبية الصارمة. (اضغط هنا لقراءة تحليلنا حول صندوق الاستثمارات العامة والاتحاد الأوروبي: مواصلة السعي وراء فرص النمو على الرغم من اللوائح الجديدة) ولذلك، سارعت هذه الشركات إلى تبنّي استراتيجيات جديدة تُعلي ممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG)، بهدف مواءمة عملياتها تدريجياً مع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون وزيادة أصولها المتوافقة مع هذه الممارسات. وتسعى هذه الشركات إلى تحصين محافظ أصولها من التغيرات المستقبلية، بما يضمن أن تبقى احتياطياتها وبنيتها التحتية مجدية اقتصادياً على الرغم من الضغوط التنظيمية المتزايدة. وقد تناول مقال بقلم الرئيس التنفيذي السابق للمركز المعني بالاستدامة والتغيرات المناخية في بنك إتش إس بي سي (HSBC)، والذي نشره المعهد الدولي للتنمية المستدامة (International Institute for Sustainable Development) تحت عنوان: دمج المخاطر البيئية في تقييمات الأصول: إمكانية وجود الأصول العالقة والآثار المترتبة على المستثمرين على المدى الطويل، كيفية التخفيف من مخاطر أصول الوقود الأحفوري العالقة في قطاع الطاقة بشكل كامل. لقد ساعد هذا التحول الاستراتيجي في التخفيف من مخاطر الشطب المبكر للأصول وانخفاض قيمتها السوقية من خلال تعزيز التقنيات النظيفة وتنويع مصادر الطاقة وتحسين الشفافية. هذه الخطوات ليست ترفاً، بل ضرورة للحفاظ على ثقة المستثمرين والامتثال للمعايير الدولية في ظل الارتفاع المتسارع للأصول العالمية الممتثلة لمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة، والمتوقع أن تصل قيمتها إلى 50 تريليون دولار بنهاية 2025. وتشير هذه القيمة المرتفعة للأصول إلى الاستثمارات التي تدمج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في عمليات التحليل واتخاذ القرار، فيما تُدار هذه الأصول من قبل مستثمرين يأخذون عوامل الاستدامة في الاعتبار بجانب المؤشرات المالية التقليدية لتعزيز الاستثمار المسؤول. ![]()
⁉️ لماذا تكسب الشركات المستدامة ثقة المستثمرين؟ بات المستثمرون المتخصصون، الذين تتمتع محافظهم الاستثمارية بمعدل دوران منخفض نتيجة التركيز على الاستثمارات طويلة الأجل، يفضلون الشركات التي تدمج معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة في نماذج أعمالها، إذ غالباً ما تُظهر هذه الشركات مرونة أعلى ومخاطر أقل على المدى الطويل، مما يجعلها خياراً جذاباً للمستثمرين الباحثين عن استقرار القيمة على المدى الطويل. وهذا ما خلصت إليه دراسة صادرة عن كلية "هارفارد لإدارة الأعمال" بعنوان: أثر الاستدامة المؤسسية على العمليات التنظيمية والأداء. تقلل مرونة الشركات التي تمتثل لمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة من احتمالية التأثر بوقوع أحداث مدمّرة للقيمة مثل الكوارث والحوادث البيئية، وهي الأكثر شيوعاً في الشركات منخفضة الاستدامة. ولذلك، يقبل المستثمرون المهتمون بالاستدامة تحمّل التكاليف المرتفعة الأولية (كالاستثمار في تقنيات أنظف) لأنهم يتوقعون أن تُولّد هذه التكاليف عوائد متوقعة أعلى على المدى الطويل ومخاطر أقل. في المقابل، كثير من الشركات منخفضة الاستدامة تُسعّر المخاطر البيئية والاجتماعية كتكاليف خارجية لا تنعكس في حساباتها. وحين تقع أضرار بيئية، مثل تسرب نفطي أو غازي، تتحمل هذه الشركات تكاليف ضخمة للمسؤولية القانونية مثل التعويضات والغرامات التنظيمية أو خسارة ترخيصها للعمل. وهو ما يمثل صدمات سلبية غير متوقعة في القيمة السوقية، ويزيد من المخاطر الفردية (الخاصة)، وبالتالي يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين. يمكن فهم هذا النهج الاستراتيجي كمثال على الاستثمار الوقائي؛ فمع أنه مكلف في البداية، إلا أنه يقلل من الخسائر المستقبلية المتوقعة ويساهم في استقرار التدفقات النقدية. يُدرك المستثمرون المتخصصون هذه الحقيقة، ويفضلون توجيه رؤوس أموالهم نحو الشركات التي تعتمد هذا النهج، حيث يتوقعون عوائد مستقرة ومستدامة بدلاً من نتائج متقلبة ومعرضة للمخاطر.
ملاحظة: يشير مصطلح المخاطر الفردية (الخاصة)، في سياق الاستثمار، إلى المخاطر الفريدة لشركة أو أصل محدد، على عكس المخاطر على مستوى السوق أو المخاطر المنهجية التي تؤثر على جميع الاستثمارات. ينشأ هذا الخطر من عوامل خاصة بالشركة مثل قرارات الإدارة، وسحب المنتجات، والتغييرات التنظيمية التي تؤثر على الشركة. ● مثال على المخاطر الفردية: تواجه الشركة سحب منتج بسبب عيب في السلامة، مما يؤثر فقط على سعر سهمها. ● مثال على المخاطر المنهجية: يؤدي الركود الاقتصادي العالمي إلى تباطؤ واسع النطاق في السوق، مما يؤثر على جميع الأسهم تقريباً. بالنظر إلى الأداء على المدى الطويل، فقد تفوقت الصناديق المستدامة على نظيراتها التقليدية، حيث كان استثمار افتراضي بقيمة 100 دولار في صندوق مستدام في ديسمبر 2018 ليصبح 136 دولار بحلول ديسمبر 2024، مقارنة بنحو 131 دولار في الصندوق التقليدي خلال نفس الفترة، وذلك وفقاً لتحليل أجراه معهد مورغان ستانلي للاستثمار المستدام. من جهةٍ أخرى، أصبحت عمليات الدمج والاستحواذ هي المسار المفضل للتخارج من شركات تقنيات المناخ، حيث شكلت 95% من الصفقات في 2024. وتتجه الشركات بشكل متزايد للاستحواذ على شركات الطاقة النظيفة والتنقل وتحويل النفايات إلى طاقة، وذلك لتسريع تحولها نحو الاستدامة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، إعادة توجيه شركات الطاقة الكبرى نحو البنية التحتية منخفضة الكربون، كما يتضح من استحواذ إكسون موبيل (ExxonMobil) على شركة دينبري (Denbury) مقابل 4.9 مليار دولار، مما أتاح لها الوصول إلى واحدة من أكبر شبكات أنابيب ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. وتُستخدم هذه الأنابيب بشكل أساسي لأغراض التقاط وتخزين الكربون (CCS)، حيث تضطلع بالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المصادر الصناعية ونقلها إلى مواقع تخزين تحت الأرض للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. ![]() ملاحظة: الأصول العالمية الممتثلة لمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة الخاضعة للإدارة هي جزء من إجمالي الأصول المتوافقة مع معايير الاستدامة سالفة الذكر، وتعكس على وجه التحديد الأموال التي تُدار بشكل احترافي والمخصصة للاستثمار في هذا الإطار. لكننا نعتقد أن الدرس الأهم المستخلص من هذا التحليل هو أنه حتى مع الجهود التي تبذلها الشركات للتكيف مع متطلبات المستقبل منخفض الكربون، فإن غياب الشفافية في إدارة المخاطر البيئية وعدم الكشف عن هذه المخاطر قد يؤدي إلى خسائر في القيمة السوقية للشركات وفقدان ثقة المستثمرين عند انكشافها. تُثبت الأبحاث الأكاديمية والتجريبية وجود علاقة إيجابية قوية بين القيمة السوقية للشركة وأدائها من حيث الامتثال لمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة. وتُظهر هذه الأبحاث أن الشركات التي تتمتع بتقييمات امتثال مرتفعة تحظى عموماً بتقييمات سوقية أعلى. وتظهر المعايير البيئية تحديداً أعلى علاقة إيجابية من حيث التقييم السوقي مقارنةً ببقية معايير الاستدامة، تليها المعاييرالاجتماعية ثم الحوكمة. يُشير هذا النمط إلى أن المستثمرين في قطاع الطاقة يُولون أهمية أكبر للاستدامة البيئية مُقارنةً بالمعايير الاجتماعية أو الحوكمة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |