|
تفرض أوروبا قوانين تنظيمية جديدة صارمة تشدد على التزامها التام بتحقيق أهداف الاستدامة، وهو ما يضع المستثمرين العالميين أمام تحدٍ صعب. إذ يتعين على هؤلاء المستثمرين التواؤم بسرعة مع تلك المعايير شديدة الصرامة ويجب عليهم في نفس الوقت حماية قدراتهم الربحية والحفاظ على استمرارية استثماراتهم القائمة. ويعد صندوق الاستثمارات العامة أحد أبرز الكيانات الرئيسية المستثمرة في أوروبا، حيث ضخ استثمارات استراتيجية بأكثر من 85 مليار دولار منذ عام 2017، (ليرسخ بذلك صندوق الثروة السيادية السعودي مكانته كجهة فاعلة رئيسية في البيئة الاقتصادية للقارة الأوروبية). وبموجب المقررات الأوروبية الجديدة التي تُعرف باسم توجيه إعداد تقارير استدامة الشركات الذي سيدخل حيز التنفيذ بحلول عام 2028، سيتوجب الالتزام بنحو 1000 مقياس للاستدامة، وإلا فستتعرض الشركات القائمة بالفعل لعقوبات صارمة رجعية الأثر، تشمل توقيع غرامات تصل قيمتها إلى نحو 5% من قيمة إيراداتها السنوية. يراعي صندوق الاستثمارات العامة بالفعل عنصر الاستدامة في مختلف استثماراته الدولية الجديدة، إلا أن تطبيق هذه القوانين الجديدة بأثر رجعي قد يعرض الاستثمارات لتحديات تشغيلية ومالية غير مسبوقة في أوروبا. ← ووفق هذا المنظور، توفر هذا التحليل تقييمًا واقعيًا وعمليًا لأبعاد هذا التحدي في أوروبا، ووفقًا للرؤى التحليلية التي استمعنا إليها في حديث السيد/ ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة شركة أرامكو، مع السير نويل كوين الرئيس التنفيذ السابق لبنك HSBC على هامش مشاركته في قمة الأولولية (Priority Summit) التي نظمتها مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) الشهر الماضي في مدينة تيرانا.
❞
تنص اللوائح على أنه في حالة عدم الالتزام بها، فإنك ستتعرض لعقوبات لن تقتصر على أنشطتك في أوروبا فحسب، بل ستطال شركتك الأم وقد تصل إلى فرض غرامات تمثل نحو 5% من إجمالي إيرادتك، وهذا الأمر مؤرق فعليًا للكثير من المستثمرين. ![]()
ياسر الرميان
محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة شركة أرامكو
وفي شهر ديسمبر، كرر وزير الطاقة القطري السيد/ سعد الكعبي تعبيره عن نفس مخاوف السيد/الرميان. بل أنه هدد بإيقاف توريد شحنات الغاز الحيوية إلى أوروبا في حالة فُرضت العقوبات الصارمة المنصوص عليها في قوانين الاستدامة الجديدة. ومن واقع المكانة الاستراتيجية المؤسسية البارزة للمملكة العربية السعودية وقطر، فإنهما تتخذان موقفًا استراتيجيًا ومدروسًا يخلو من أي ردود فعل عاطفية. حيث يعبر موقفهما المتماثل عن مطالب شركاء آخرين بارزين بمراعاة الواقعية عند فرض متطلبات على الاستثمارات الحالية.
🔍 الاستدامة في صميم رؤية 2030 مع طرح رؤية 2030، ارتقى مفهوم الاستدامة البيئية ليصبح في صدارة الأولويات الوطنية. وازدادت مشاركة الشركات بين عامي 2018 و2024 في برامج المسؤولية الاجتماعية لأكثر من الضعف متجاوزةً هدفها السنوي لعام 2023 بمعدل نمو سنوي مركَّب مقداره 15.62%، وفقًا للتقرير الأخير لرؤية 2030. ![]() وفي ضوء الترابط مع مقررات الاستدامة البيئية، أطلقت رؤية 2030 مبادرة السعودية الخضراء.
تضع هذه المبادرة أهدافًا طويلة الأمد تشمل:
10
مليارات
شجرة مزروعة
40
مليون هكتار
استصلاح أراضي متدهورة
30%
مناطق برية وبحرية محمية
🔦 مسار استدامة مرحلي الخطوات نبرهن خلال هذه الدراسة التحليلية على أن دمج المبادئ البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) في الأنظمة الحالية للشركات يستلزم فترة زمنية كافية وتدرجًا في التطبيق. من الناحية المالية، تتسبب العقوبات رجعية الأثر في تحميل الشركات تكاليف غير متوقعة، مما يؤدي إلى تقليل هوامش صافي الربح، وقد تضطر الشركات لسداد مدفوعات ضخمة دفعة واحدة لم تكن مدرجة في ميزانياتها، مما يؤثر سلبًا على تدفقاتها النقدية وسيولتها المالية. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار لوائح الاستدامة الأوروبية ذات الأثر الرجعي غير واقعية؛ فتجربة المملكة وفق مقررات رؤية 2030 تُظهر أن مشاركة الشركات في برامج المسؤولية الاجتماعية تشهد تزايدًا مطردًا، وهو ما يعكس تبني نهج مرحلي وبنّاء في تحقيق الاستدامة. وقد يؤدي فرض القوانين رجعية الأثر إلى تدهور التصنيف الائتماني لبعض الشركات، مما يجعل الحصول على تمويل للمشاريع الجديدة أو إعادة تمويل الديون القائمة أمرًا أكثر تكلفة وصعوبة. وقد تضطر الشركات إلى تعليق عمليات مشروعاتها أو تعديلها بهدف تحقيق الامتثال؛ الأمر الذي يترتب عليه تعطل أعمال التشغيل وتكبد تكاليف إضافية. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يصل الأمر إلى إغلاق المشاريع التي لم تعد مجدية اقتصاديًا، وذلك بسبب الغرامات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وتكاليف الامتثال المرتبطة بها.
📈 التمسك باقتناص فرص النمو ينصب هذا التحليل بشكل أساسي على مسألة تطبيق الاتحاد الأوروبي لمتطلبات جديدة بأثر رجعي، وتأثير ذلك المحتمل على تعقيد الاستثمارات القائمة، لا على رفض مبدأ الاستدامة في جوهره. ونعتقد أن التوافق التدريجي مع هذه اللوائح والاستثمار في القطاعات التي تتماشى مع توجهات الاستدامة، سيضمن استمرار النمو في أوروبا، وذلك عن طريق إدارة استراتيجية للمخاطر والتحديات التنظيمية. ![]() على الرغم من تحفظات صندوق الاستثمارات العامة من لوائح الاستدامة الأوروبية الصارمة رجعية الأثر، إلا أنه لا يزال يتوقع أن تقفز استثماراته لتصل إلى 170 مليار دولار في أوروبا بحلول عام 2030. وقد بات الصندوق مهيأً للوصول بحجم أصوله المدارة إلى 2 تريليون دولار بحلول عام 2030، ليرتقي من المرتبة الخامسة إلى المرتبة الثانية عالميًا بين جهات الثروة السيادية. وفي العام الماضي، بلغت الأصول المدارة لصندوق الاستثمارات العامة أكثر من 925 مليار دولار، بعد أن كانت 700 مليار دولار في نهاية عام 2022، مما عزز مكانته ليكون خامس أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم. ختامًا، يعبر طموح صندوق الاستثمارات العامة في تعزيز استثماراته وزيادة أصوله المُدارة عن استراتيجيته في اقتناص الفرص السانحة في مختلف أسواق العالم بما في ذلك الأسواق الأوروبية. وللتخفيف من مخاطر تطبيق القوانين التنظيمية الجديدة في البلدان الأوروبية، قد يختار صندوق الاستثمارات العامة طرق دخول محددة للأسواق مثل تأسيس مشاريع مشتركة مع الشركات المحلية. فالشراكة مع كيانات أوروبية قائمة لديها خبرة بالبيئة التنظيمية والممارسات المحلية قد توفر فهمًا ثاقبًا وقدرة على التعامل بسلاسة مع متطلبات الامتثال. إضافةً إلى ذلك، فإن العمل من خلال كيان تابع ومتخصص، كمكتب الصندوق الذي افتُتِح بباريس في مايو 2025، يمنح الصندوق القدرة على تنفيذ أطر امتثال محددة تتوافق مع لوائح الاستدامة الأوروبية الصارمة، وهو ما يقلل من مخاطر العقوبات ذات الأثر الرجعي. والأهم من ذلك، فالحضور الفعلي في باريس يعزز من قرب صندوق الاستثمارات العامة من الأسواق الأوروبية الرئيسية والهيئات التنظيمية والشركاء، مما يرفع من قدرته على الرصد الدقيق للبيئات التنظيمية المتغيرة وتسهيل بناء علاقات استراتيجية مع الجهات المعنية المحلية. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |