|
كشف مسح الدخل والإنفاق للأسرة لعام 2023 في المملكة العربية السعودية، وهو العام الذي تتوافر له أحدث مجموعة بيانات متاحة ويشكِّل خط الأساس في هذه المناقشة، عن بلوغ متوسط الدخل الشهري المتاح للأسرة 18,056 ريالًا سعوديًّا، ومتوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري 16,028 ريالًا سعوديًّا، وهو ما يفيد ضمنًا معدل ادخار قيمته 11.2%. ويزيد هذا المعدل كثيرًا عن نظيره المسجَّل في عام 2018 والبالغ 1.6% (زيادة بنسبة 749% تقريبًا في المدخرات الفعلية). ويوحي هذا التعافي الظاهري بنجاح الانتقال من دائرة الإنفاق الاستهلاكي إلى دائرة الادخار. إلا أن هذا التحسُّن على صعيد الإحصاءات يخفي وراءه تفاوتًا ماليًا بين الأسر؛ إذ تستحوذ نسبة 10% من الأسر في المملكة على 73% من إجمالي الدخل المتاح للإنفاق، في حين تمتلك نسبة 45% من الأسر صافي مدخرات أقل من 10,000 دولار أمريكي، أما النسبة المتبقية ومقدارها 45% فلا تمتلك أي مدخرات. ويقل وسيط دخل الأسرة الذي يبلغ 13,655 ريالًا سعوديًّا بنسبة 24% عن متوسط الدخل البالغ 18,056 ريالًا سعوديًّا، وهو ما يدل على أن التحسُّن الإجمالي الملاحظ ناتج عن سلوك الأسر الثرية، وليس عن تغيُّر نحو ثقافة قائمة على الادخار. الاستهلاك المموَّل بالدَّين بين غالبية الأسر يؤدي إلى ملاحظة تحسُّن ظاهري، يعطي انطباعا خاطئا بالاستهلاك عن طريق الدخل المتاح للإنفاق، وهو لا يعكس الواقع في نسبة الادخار. فقد بلغت ديون الأسر عام 2024 ما مجموعه 471 مليار ريال سعودي، وقفز الاقتراض عبر بطاقات الائتمان بنسبة 16% على أساس سنوي إلى 31,37 مليار ريال سعودي، في حين بلغ سوق خدمات التمويل اشتر الآن وادفع لاحقًا 1,31 مليار دولار أمريكي في عام 2024، في ظل توقعات بارتفاعه إلى 1,48 مليار دولار أمريكي في عام 2025. وعلاوة على ذلك، ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع في القطاع المصرفي إلى 106-108%، وهو ما يفصح عن اعتماد المصارف على التمويل الخارجي أكثر منه على مدخرات الأسر، الأمر الذي يدلل على ضعف ثقافة الادخار والاعتماد على الاقتراض في دعم الإنفاق. وتشجِّع سهولة الحصول على الائتمان زيادة الاقتراض والإنفاق المموَّل بالدَّين. فتكاليف السكن تلتهم جزءًا كبيرًا من ميزانيات الأسر المتوسطة الدخل يتراوح ما بين 25% و40%. ويخلق هذا الأمر حالة من التناقض: إذ تُظهِر الإحصاءات الإجمالية إلى بعض التحسينات، غير أن كثيرًا من الأسر المتوسطة الدخل والمنخفضة الدخل لا تزال تتبع ثقافة مالية تجنح للإنفاق بدلًا من الادخار.
ℹ︎
ماذا نختبر في هذا التقرير
هذا التقرير لا يناقش ما إذا كان معدل الادخار في السعودية “مرتفعا” أو “منخفضا” بالمقاييس الإحصائية. السؤال الحقيقي الذي نختبره هو: هل يعكس معدل الادخار المعلن (11.2%) سلوك غالبية الأسر، أم أنه رقم ناتج عن نمط توزيعي تقوده شريحة محدودة مرتفعة الدخل؟ وللإجابة، يميز التحليل بين: ● المتوسط الإحصائي ● وسيط الدخل والسلوك الادخاري الفعلي ● القدرة الحقيقية على الادخار بعد احتساب السكن والدين وعليه، فإن أي قراءة لا تأخذ التوزيع في الحسبان ستكون قراءة غير متعمقة، حتى لو كانت الأرقام صحيحة حسابيا
💸 القراءة الخاطئة لمتوسطات معدلات الادخار طبقًا لمسح الهيئة العامة للإحصاء لعام 2023 الذي نستند عليه في هذه الورقة البحثية من أرقام انتليجنس، بلغ متوسط الدخل المتاح 18,056 ريالًا سعوديًّا، والإنفاق الاستهلاكي 16,028 ريالًا سعوديًّا، كما أشرنا في المقدمة، وبذلك تكون قيمة المدخرات الشهرية 2,028 ريالًا سعوديًّا (أي بمعدل 11.2%). وعند مقارنة هذا المعدل بنظيره المسجل في عام 2018 والبالغ 1.6% (الدخل 14,823 ريالًا سعوديًّا، والإنفاق الاستهلاكي 14,584 ريالًا سعوديًّا، والمدخرات 239 ريالًا سعوديًّا)، فإنه يمثل زيادة نسبتها 749% تقريبًا في المدخرات الفعلية. ومن هنا، فالقراءة التقليدية لهذه المعطيات سوف تحتفي بحدوث تعديل هيكلي ناجح من قبل الأسر في ثقافة الادخار بالتزامن مع إصلاحات ضريبية (زيادة ضريبة القيمة المضافة ثلاثة أضعاف لتسجل 15%، وسلسلة من إجراءات الرفع التدريجي للدعم)، إذ إن سياسات كهذه قد تشجع الأسر على خفض أوجه الإنفاق غير الضرورية، والتعامل مع أمورهم المالية بمزيد من الحرص، وإعطاء الأولوية للادخار. ولكن ثمة أمر لا يقل أهمية، وهو أن هذا التصور الخاطئ يتجلى عند إخضاعه للتحليل الاقتصادي المتعمق. فـ معامل جيني للثروة في المملكة يبلغ 86.7، وهو من أعلى القيم عالميًّا. ومن واقع هذا التحليل، يتبين أن نسبة 10% من الأسر الأكثر ثراء في المملكة تستحوذ على 73% من إجمالي الدخل، في حين أن نسبة 50% الأقل ثراءً تمتلك أقل من 2% من إجمالي الدخل. والنقطة الأهم أن 45% من البالغين يمتلكون ثروة صافية تقل عن 10,000 دولار أمريكي، في حين أن 45% لا يمتلكون أي مدخرات، وهذا الوضع المستمر منذ عام 2018 لم يتغير في عام 2023 (العام الذي يمثل خط الأساس حسبما أوضحنا في مستهل هذا التحليل)، وذلك على الرغم مما أشرنا إليه آنفًا من وجود زيادة ظاهرية في المدخرات لا تعكس الواقع. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو متوسطات معدلات الادخار تترك انطباعًا خاطئًا: فمتوسط الادخار البالغ 18,056 ريالًا سعوديًّا هو انعكاس لوجود أسر ثرية بسبب الدخل المرتفع، ولا يجسد الواقع الاقتصادي للأسر في فئة الدخل المتوسط ومدخراتها الفعلية.
ℹ︎
معامل جيني للثروة
هو قياس لعدم المساواة في الدخل أو الثروة في مجتمعٍ ما، وتتراوح قيمته بين صفر و100 حيث إن: ● القيمة صفر تدل على المساواة التامة (يحصل الجميع على الدخل نفسه أو يمتلك الثروة نفسها). ● القيمة 100 تدل على عدم المساواة التام (يتركز جميع الدخل أو الثروة في يد عدد محدود).
💰 هرم توزيع الثروة تحدد الفجوة بين وسيط الدخل ومتوسط الدخل حجم هذه المفارقة. ففي حين بلغ متوسط الدخل 18,056 ريالًا سعوديًّا، استقر وسيط الدخل عند 13,655 ريالًا سعوديًّا، وهو ما يخلف فجوة نسبتها 24%. وفي التوزيعات الطبيعية، يقترب الوسيط من المتوسط؛ أما الفجوات الكبيرة بينهما فتدل على حالة من عدم التوازن في الدخل، حيث تؤدي قيم الدخول المرتفعة إلى تضخيم المتوسطات. وبتطبيق نمط السلوك الاستهلاكي النسبي، تدخر الأسر من فئة وسيط الدخل، حسب التقديرات، 3-5% تقريبًا، وليس 11.2%. ويكشف التحسُّن الإجمالي عن تحقيق الأسر الثرية معدلات ادخار تبلغ 15-20%، بينما تستمر الأسر المتوسطة الدخل والمنخفضة الدخل (60-70% من السكان) في استنزاف مدخراتها.
ℹ︎
الفرق بين "متوسط الدخل" و "وسيط الدخل"
● متوسط الدخل هو متوسط قِيَم الدخل، الذي يُحسَب بجمع دخول جميع الأسر أو الأفراد ثم قسمة الناتج على إجمالي عدد تلك الأسر أو أولئك الأفراد. ● وسيط الدخل هو النقطة الوسطى التي يحصل نصف عدد السكان على أقل من القيمة المحددة عندها، ويحصل النصف الآخر على أكثر من هذه القيمة. وعندما يكون متوسط الدخل أعلى كثيرًا عن وسيط الدخل، فالوضع يدل على أن جزءًا صغيرًا من السكان يحقق دخولًا مرتفعة جدًّا، وهو ما يؤدي إلى انحراف المتوسط صعودًا. ويخلق هذا الانحراف فجوة ضخمة بين وسيط الدخل (العادي) ومتوسط الدخل (متوسط القيم).
🔎 المعايير المرجعية العالمية للادخار هي المحددة للسياق حققت اقتصادات الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي معدلات ادخار للأسر بلغت 8-19% من الدخل المتاح (ألمانيا 19.6%، (سبتمبر 2025)، وفرنسا 18.4% (الربع الثالث من عام 2025)، والولايات المتحدة 4.7% (سبتمبر 2025)، ومنطقة اليورو 15.3% (الربع الرابع من عام 2024)، مع تحقيق الأسواق الناشئة الكبرى معدلات أعلى (الصين، مدخرات الأسر 31.7% في عام 2023، ومدخرات إجمالية 43.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024؛ والهند، 18.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024). أما وسيط معدل ادخار الأسر في السعودية فنقدّره وفقًا لتحليلنا بـ 3-5% ، وهو ما يؤكد أن المعدل الإجمالي البالغ 11.2% قد لا يعكس بصورة كاملة ثقافة الادخار. إقليميا، فمن بين دول مجلس التعاون الخليجي، سجلت المملكة أقل معدل ادخار إجمالي، بواقع 31.6-33.7% من الناتج المحلي الإجمالي (2024-2025)، مقارنة بقطر (66.3%، عام 2022)، والإمارات العربية المتحدة (42%، عام 2023)، والكويت (40.8%، عام 2023)، والبحرين (37.1%، عام 2023). ومع ذلك، تضم معدلات الادخار الإجمالية هذه على المستوى الوطني مدخرات كل من الحكومة والأعمال التجارية والأسر، وهو ما يعكس ديناميات عائدات النفط والأوضاع المالية، وليس سلوك الأسر على وجه التحديد. وبما أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تصدر عادةً بيانات تفصيلية عن حجم مدخرات الأسر، فإن عقد مقارنة مباشرة عن ثقافة الادخار بين الأسر في هذه الاقتصادات مسألة متعذرة.
🔦 الاستهلاك المموَّل بالديون بلغ حجم القروض الاستهلاكية 471 مليار ريال سعودي في عام 2024، مسجلًا معدل نمو سنويًّا قدره 6.6% وفق بيانات البنك المركزي السعودي، بزيادة عن مستوى 442 مليار ريال سعودي المسجَّل في عام 2023. وارتفعت نسبة ديون الأسر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 31.6% في الربع الثاني من عام 2025، من النسبة 28.2% المسجلة في الربع الثالث من عام 2023. وفي السياق ذاته، ارتفع الإقراض عبر بطاقات الائتمان بنسبة 16% على أساس سنوي ليبلغ 31,37 مليار ريال سعودي (نحو 8,4 مليارات دولار أمريكي) بنهاية عام 2024، وهو ما يعادل أربعة أضعاف نمو دخل الأسرة البالغ 4%. وبعد تسجيلها ذروة تاريخية في نهاية عام 2024، ظلت قروض بطاقات الائتمان مرتفعة عند 30.66 مليار ريال في الربع الأول من عام 2025، وذلك بنسبة تقل 2% فقط من الرقم القياسي المسجَّل، مدفوعة بالتحول المتسارع في المملكة نحو المدفوعات غير النقدية، إذ أصبحت 79% من معاملات التجزئة تُجرَى إلكترونيًّا. وبلغ حجم سوق خدمات التمويل اشترِ الآن وادفع لاحقًا 1,31 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى 1,48 مليار دولار في عام 2025. ويتركز اعتماد هذه الخدمات في الشرائح الديمغرافية الأصغر سنًا، إذ تمثل الفئة العمرية 18–30 عامًا نحو 52-53% من إجمالي المستخدمين. واللافت أن معدل نمو هذه السوق في المملكة (نمو سنوي مركب بمعدل 10.8%، الفترة 2024–2029) يتجاوز نظيره في الولايات المتحدة (8.5%، الفترة 2025–2030)، والمملكة المتحدة (8.8%، الفترة 2025-2030)، وهو ما يدل على حدوث توسُّع في الائتمان أكثر من كونه استهلاكًا مدفوعًا بالمدخرات. وتؤكد مستويات السيولة في القطاع المصرفي نقطة مهمة ينبغي تناولها بمزيد من النقاش. فقد ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع في القطاع المصرفي السعودي إلى 106-108% خلال الربعين الثاني والثالث من عام 2025، متجاوزة الحد الاحترازي البالغ 85–90%. وتعكس النِّسَب التي تتجاوز 100% وضعًا تُقرِض فيه البنوك أكثر مما يدخر المودعون، وهو ما يفرض عليها اللجوء إلى التمويل بالجملة من أسواق مختلفة لتمويل أصولها، وسجَّلت نسبة القروض إلى الودائع على مستوى القطاع بأكمله 106.8% خلال الربع الثالث من عام 2025، ومن ثم اضطرت البنوك إلى اللجوء إلى الأسواق الدولية لاقتراض نحو 33 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، أي ثلاثة أضعاف المبلغ الذي اقترضته في عام 2024، وبلغت قيمته 10,5 مليارات دولار أمريكي. وفي حال حققت الأسر ادخارًا بمعدل 11.2%، فمن المفترض لنمو الودائع أن يفوق القروض؛ إلا أن القروض زادت بنسبة 14.4% في مقابل الودائع التي بلغت نسبته 7.8% (الربع الثالث من عام 2025، على أساس سنوي).
ℹ︎
اختبار الضغوط
● البنوك تقرض أكثر مما يدخر المودعون القروض زادت بنسبة 14.4% في مقابل الودائع التي بلغت نسبته 7.8% (الربع الثالث 2025) ● سهولة الحصول على الائتمان ● إحلال الدَّين محل الادخار ● القدرة على الادخار الاختياري شبه معدومة لشريحة كبيرة المحصلة هي إحلال الدَّين محل الادخار. فبدلًا من امتلاك احتياطيات مالية لمواجهة الطوارئ، تعتمد الأسر على سهولة الحصول على الائتمان، وهو نمط قابل للتطبيق ما دام الائتمان متاحًا. ويُسهِم التحول الهيكلي من التعامل النقدي إلى الاعتماد على أدوات الائتمان في تسريع وتيرة هذا النمط؛ إذ يوجد قيد التداول نحو 50 مليون بطاقة دفع، وأصبحت 98% من المعاملات الحضورية تُجرَى حاليًا عبر وسائل غير تلامسية، وصار الحصول على الائتمان سهلًا بلا عوائق. ومع استحواذ القروض الشخصية على 47% من إجمالي الإقراض المصرفي (البنك المركزي السعودي، 2024)، وبقاء 45% من الأسر دون أي مدخرات، يُقدَّر عبء خدمة الدَّين بنحو 15-20% من دخل الأسر المتوسطة الدخل. وعند الجمع بين هذا العبء وتكاليف السكن التي تبلغ نحو 25-40%، تتقلص القدرة على الادخار الاختياري إلى مستويات شبه معدومة لدى الأسر التي يتراوح دخلها الشهري بين 12,000 و18,000 ريال سعودي، وهي على وجه الدقة شريحة وسيط الدخل.
⁉️ تحليل الفئات العمرية يُظِهر تصنيف البيانات حسب الفئات العمرية أن التحسُّن على صعيد الإحصاءات يتركَّز بين الأسر الأكبر سنًا والغنية بالأصول، في حين تُظِهر الفئات الشابة والمتوسطة العمر مستويات مستمرة من الهشاشة المالية. ومن المفترض أن تدعم البنية الديمغرافية للمملكة معدلات ادخار مرتفعة خلال سنوات ذروة كسب الأجر (35-55 عامًا)، إذ يشكِّل الأفراد دون سن 30 عامًا 63% من السكان، وتتراوح نسبة إعالة الشباب بين 28.3% و32.5% (تتمثل أساسًا في الأطفال والمراهقين الذين لا يكسبون أجرًا ويعتمدون على أسرهم). إلا أن الأسر المتوسطة العمر تواجه أعباء ديون متزايدة، وهو ما يضغط على قدرتها الادخارية، في الوقت الذي تعتاد فيه الفئات الأصغر سنًا الاستهلاك المموُّل بالائتمان بوصفه نمطًا طبيعيًّا. ويُلاحَظ أن الشباب (18-35 عامًا) يُظهرِون أنماطًا سلوكية لا تنسجم مع التحسُّن الإجمالي، إذ تُعَد هذه الفئة المحرك الأساسي للإنفاق الاختياري، في ظل اتجاه قوي لتبني نماذج اشترِ الآن وادفع لاحقًا، ولا سيما بين أفراد الجيل زد، والنمو الكبير في استخدام المحافظ الرقمية، واستخدام 39% من البالغين منصات الدفع بين الأشخاص. وسجَّل الإقراض عبر بطاقات الائتمان نموًا ملحوظًا قدره 21% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2024، مع تركُّز هذا النمو بين زبائن أماكن الترفيه والمطاعم والتجارة الإلكترونية. وإضافة إلى ذلك، أفاد 33% من البالغين بعزمهم زيادة الإنفاق على الأنشطة الترفيهية في عام 2025 (مقابل 19% على الصعيد العالمي)، وهو ما يعكس تحولات عن أنماط الادخار الوقائي. ويؤدي تطور البنية التحتية للمدفوعات الرقمية إلى تذليل عوائق الإنفاق، فيما قضت نماذج اشترِ الآن وادفع لاحقًا على اشتراطات الدفع المسبق، وتدفع الأنماط السلوكية التي تقودها وسائل التواصل الاجتماعي في اتجاه الإنفاق على كل ما هو جديد بدلا من الادخار.
ℹ︎
اختبار الضغوط
● عبء الديون في فئة العمر المتوسط ● سلوكيات الإنفاق بين الفئات الشابة ● تكاليف السكن ● فجوات الأجور وتُسهِم فجوات الثقافة المالية في تعميق هذه الاتجاهات؛ إذ يسجل البالغون في المملكة نسبة 45.7% على مؤشرات الثقافة المالية مقارنة بمتوسط يبلغ 60.5% في دول مجموعة العشرين، ويقترن ذلك بأوجه ضعف واضحة في استيعاب مفهوم الفائدة المركبة وإعداد خطط التقاعد. ولا يحتفظ سوى عدد محدود من الأفراد باحتياطيات مالية تكفي لتغطية نفقات ثلاثة أشهر، وهو ما يترك الغالبية عرضة لمخاطر الهشاشة المالية إذا ما واجهوا انقطاعات في الدخل. وتسهم توقعات التوظيف في القطاع العام في تقليل الرغبة الملحَّة في الادخار؛ غير أن الواقع يشير إلى أن 10% فقط هم من يعملون في القطاع العام أو الحكومي في عام 2024، وهو ما يعني أن نحو 89% من الأفراد يعملون في القطاع الخاص أو في وظائف داخل الاقتصاد المحلي، الأمر الذي يلقي على عاتقهم مسؤولية التمويل الذاتي لخطط التقاعد. ومن ناحية أخرى، تواجه الأسر المتوسطة العمر (35-55 عامًا) ذروة في النفقات تؤدي إلى تآكل المدخرات، إذ تسفر التزامات الرهن العقاري، وتعليم الأبناء، وتمويل السيارات، عن هياكل إنفاق ثابتة تستهلك 60%-75% من الدخل الشهري.
ℹ︎
عدسة القرار :ماذا يعني هذا للسياسات الاستراتيجية والقطاع المالي؟ تشير نتائج هذا التحليل إلى أن ضعف الادخار في السعودية ليس مسألة سلوك فردي أو ثقافة مالية فقط، بل نتيجة هيكلية لضيق الهامش المتاح بعد السكن وخدمة الدين. وبناء عليه، فإن السياسات التي تركز على التوعية أو الحوافز الادخارية وحدها ليست كافية، ما لم تعالِج جذور المشكلة. ويعني ذلك عمليا أن: ● ضبط عبء خدمة الدين لا يقل أهمية عن رفع الدخل ● سياسات الإسكان يجب أن تقاس بنسبة الاستقطاع لا بعدد القروض ● توسع أدوات الائتمان (BNPL وبطاقات الدفع) يحتاج تنظيما يعكس طبيعتها الائتمانية لا الاستهلاكية فبدون إعادة التوازن بين الدين والادخار، سيظل التحسن الإحصائي قائما… بينما يبقى التباين المالي كامنا. 🎯 الخلاصة توجد حالة من التناقض، وهي أن عدم وجود ضريبة على الدخل، إلى جانب زيادة مساهمات مؤسسة التأمينات الاجتماعية بنسب تتراوح بين 9% و11% (الفترة من 2025 إلى 2028)، لم يُفضِ إلى توليد مدخرات ضمن شرائح واسعة، وذلك لأن الحوافز المرتبطة بالسياسات المشجِّعة على الادخار تتضاءل أمام الحوافز الهيكلية الدافعة للاستهلاك. وفي هذا الإطار، يُلاحظ أنه بينما نجحت الأسر الميسورة في تعزيز مدخراتها بصورة ملموسة، شهدت بعض الأسر الأكثر هشاشة ارتفاعًا في مستويات المديونية. وقد أسهمت هذه التطورات المتباينة في تحقيق تحسُّن إجمالي، وهو الأمر الذي يخفي وراءه مواطن ضعف مالية كامنة لدى شرائح معينة. ويمكن تعزيز قدرة الأسر على الادخار من خلال تطبيق قواعد ائتمانية تضع حدودًا واضحة لعبء خدمة الدَّين، مثل الإبقاء على نسب خدمة الدَّين إلى الدخل دون 40%، إلى جانب سياسات توظيف تهدف إلى تقليص فجوات الأجور، وسياسات إسكان تقيِّد نسبة مدفوعات الرهن العقاري بنحو 25% من الدخل. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |