|
أحرزت المستشفيات السعودية تقدُّمًا ملموسًا في مجال التحوّل الرقمي، إلا أن الموجة التالية من تعزيز الكفاءة المالية والتشغيلية سوف تأتي من خلال الذكاء الاصطناعي وليس عن طريق المزيد من التوسّع في الرقمنة. فمراكز الذكاء الاصطناعي داخل المستشفيات الخاصة والعامة تحول الضوضاء التشغيلية إلى عوائد مالية قابلة للقياس. تساعد الرقمنة على جعل البيانات أكثر وضوحًا وسهولةً في التوثيق. ولكنها في الوقت ذاته لا توقف تلقائيًّا هدر العوائد، ولا تُصلِح عملية إعداد الجداول الزمنية للمرضى أو الموظفين التي يشوبها التعقيد، ولا تدرأ الأخطاء التي تقترن بأعمال الفوترة والمطالبات التأمينية، وهو ما يضر بجني الأرباح. وفي حين أسهمت السجلات الطبية الإلكترونية، ونُظُم الفوترة ومنصات إعداد الجداول الزمنية، في تحسين عنصري التوثيق والامتثال للمعايير، فلا تزال تعمل إلى حد كبير بنظام رد الفعل، أي معالجة المشكلات بعد وقوعها. فهي تُسجِل ما حدث، عوضًا عن التنبؤ بحالات تغيب المرضى، أو رصد الهدر المنهجي المرتبط بأعمال الفوترة، تسليط الضوء على مخاطر رفض المطالبات التأمينية قبل حدوثها. ومع تنامي حجم المعاملات المالية وتعقُّد قواعد السداد، تُترجَم هذه القيود مباشرة إلى ضغط على هوامش الربح وتقلُّب في التدفقات النقدية.
ℹ︎
محدودية قدرة الرقمنة على التنبؤ
● نظم رقمية تسجل أحداث الماضي ● نهج تشغيلي قائم على رد الفعل ● الرقمنة لا تسهل اتخاذ القرارات الآنية ● زيادة الضغط على هوامش الربح ● الرقمنة لا تيسِّر اتخاذ إجراءات تصحيحية مبكرة ● تقلُّب التدفقات النقدية في ظل غياب القدرة على التنبؤ بمخاطر رفض مطالبات السداد أو مشكلات الامتثال للمعايير 🔎 المبرر الاقتصادي لوجود مراكز الذكاء الاصطناعي في المستشفيات المبرر الاقتصادي لوجود مركز للذكاء الاصطناعي في مستشفى ما واضح وبسيط ويكمن في الاستفادة من البيانات التي يجمعها المستشفى بالفعل، لا سيما في قطاع رعاية مرضى العيادات الخارجية. في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أطلقت هيئة الخدمات الصحية الوطنية أداة ذكاء اصطناعي عقب تجربة أثبتت فعاليتها في تقليص أعداد المرضى المتغيبين في العيادات الخارجية عن المواعيد الطبية بنحو الثلث خلال ستة أشهر – وهو ما أتاح قدرة تشغيلية فعلية دون الحاجة إلى زيادة عدد الموظفين أو افتتاح عيادات جديدة. (تقدِّر تقارير أخرى حجم المشكلة بملايين المواعيد الفائتة سنويًّا، وهو ما يبرز حجم مكاسب كفاءة العمل التي يمكن تحقيقها عند الحد من هذه الظاهرة). مثال آخر من الولايات المتحدة، وهو مستشفى جونز هوبكنز حققت زيادة في متوسط معدلات الإشغال من 85% إلى 92%، جنبًا إلى جنب مع انخفاض في أعداد حالات تأخر المرضى، وتحسُّن بنسبة 46% في قدرة المستشفى على قبول المرضى من ذوي الحالات الطبية المعقدة. وانخفض زمن تخصيص الأسرَّة، أي الوقت المستغرق حتى حصول المريض الداخلي على سرير بعد قرار إدخاله المستشفى، بنسبة 38%، وهو ما سرَّع وتيرة إجراءات الدخول بنحو 3,5 ساعات بعد اتخاذ قرار الدخول. وفي سياق الرعاية المحيطة بالعمليات الجراحية، انخفضت وتيرة تأخيرات نقل المرضى من غرفة العمليات بنسبة 83%. وأفضت هذه التحسينات مجتمعة إلى تحقيق إيرادات سنوية إضافية تُقدَّر بنحو 16 مليون دولار أمريكي، ما يدل على أن إدارة مسار تدفق العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحويل الكفاءة التشغيلية إلى عوائد مالية ملموسة. وأمكن تحويل أعمال الفوترة والتعامل مع حالات الرفض المتوقعة للمطالبات التأمينية من كونها مهام تُعالَج في اللحظات الأخيرة إلى عنصر استباقي مدمج في إجراءات سير العمل. ![]()
ملاحظة: العائد المحدود يشير إلى ضعف عوائد المبادرات الرقمية أو مبادرات الذكاء الاصطناعي المنعزلة، في حين أن العائد على الاستثمار الذي يتحدد على أساس مراحل تتخللها بوابات تقييم يشير إلى نموذج نشر متدرج يكون كل توسُّع فيه رهنًا بتحقيق حصائل مالية مؤكدة. ⁉️ لماذا تتعثر نماذج الذكاء الاصطناعي في المستشفيات، دون أن تفشل؟ عدم نضج الخوارزميات ليس سببًا في فشل نماذج الذكاء الاصطناعي في المستشفيات. فهي لا تفشل، ولكنها تتعثر بسبب أن اعتمادها يصطدم بمشكلة مركَّبة تكمن في تخصيص رأس مال، والحوافز، وتقدير تكلفة المخاطر. ولا يمكن للمستشفيات أن تجني الثمار الناشئة على مستوى المنظومة من الذكاء الاصطناعي إلا إذا وُجِد طرف راغب في تحمُّل التمويل المسبق لاستيعاب المخاطر والخسائر وحالة عدم اليقين المتوقع تكبدها قبل أن يُثبِت المشروع جدواه، وقادر على تقبُّل الحاجة إلى دورات متكررة من التحسين قبل بلوغ النظام إمكاناته الكاملة، ومستعد لتغطية تكلفة الحوكمة والكوادر الإدارية اللازمة لنشر النماذج بقدر من الأمان داخل مسارات تدفق العمل الفعلية. وهنا تكمن التحديات الأساسية التي تواجهها نُظُم الرعاية الصحية في القطاع العام. فمشاريع الذكاء الاصطناعي الكبرى في المستشفيات الحكومية تحتاج إلى استثمارات ضخمة مسبقة، مثل تلك الرامية إلى إدماج البيانات، وإعادة تصميم مسارات تدفق العمل، واستقطاب المواهب، وضمان الأمن السيبراني. ومع ذلك، ففي العديد من النُّظُم التي تديرها الحكومات، لا تحظى قصص النجاح بما تستحقه من تقدير ومكافأة، في حين تُسلَّط الأضواء على الإخفاقات التي تخضع أيضًا لتدقيق صارم من جانب الجهات الرقابية. ويسفر هذا الواقع عن انحياز لدى متخذي القرار نحو تفضيل التحسينات الصغيرة والأكثر أمانًا على حساب الاستثمارات الأكبر حجمًا والأكثر مخاطرة التي كان يمكن أن تحقق عوائد أعلى. وعلى سبيل المقارنة مع القطاع الخاص، حين ترتبط حوافز متخذي القرار ارتباطًا مباشرًا بهوامش الربح واستقرار التدفقات النقدية، يتغير المنطق الحاكم لاعتماد نُّظُم الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية. فالطرح المرحلي للنماذج يتيح إبقاء التكاليف ضمن حدود منضبطة، والمشاريع التجريبية الصغيرة تمكِّن من التحقق الفعلي من جدوى العائد على الاستثمار، كما أن توافر أساليب اعتماد للنموذج قابلة للتكرار يعزز قدرة المشروع على تحقيق نمو متصاعد في قيمته. ولهذا السبب، فمقولة أن رأس المال يمكن أن يحل مشكلة التكلفة لا تتحقق ببساطة عن طريق زيادة الإنفاق، ولكن عبر تهيئة المجال لتجربة مُدارة والتوسُّع ضمن مراحل تتخللها بوابات تقييم – وهو نمط يتوافق مع هدف المملكة المعلن لزيادة مشاركة القطاع الخاص في الرعاية الصحية من 20% إلى ما لا يقل عن 35% بحلول عام 2030. ![]()
ℹ︎
عوائق في القطاع الحكومي تتعلق برأس المال
● التردد في التمويل ● عدم مواءمة الحوافز ● تفضيل التحسينات الأصغر حجمًا والأكثر أمانًا ● عدم اليقين أثناء المراحل المبكرة ● طرق التمويل الراهنة لا تأخذ في اعتبارها المزايا المستقبلية لمشروعات الذكاء الاصطناعي
🔦 برامج تجريبية ذات قيمة اقتصادية ملموسة يتمثل أحد الدروس المستفادة دائمًا من تجارب الجهات الرائدة لاعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي في المستشفيات لضمان الكفاءة المالية أن نجاح هذه النماذج لا يتحقق عن طريق طرح واحد واسع النطاق، وإنما عبر سلسلة من المراحل القائمة على البيانات. فنرى أن أكثر عمليات التنفيذ صمودًا هي التي تبدأ بحالات استخدام صغيرة وضيقة النطاق تفضي إلى عائد على الاستثمار قابل للقياس، ثم تتوسَّع لاحقًا فور التحقق من جدوى القيمة. وهذا النهج المحسوب كفيل بأن يقي من الوقوع في شرَك التوسُّع في نشر الذكاء الاصطناعي من دون بيانات موثوقة أو أهداف تشغيلية واضحة، وهو ما يتسبب في تعثر العديد من المبادرات الواسعة النطاق على الرغم من قوة التكنولوجيات المستخدمة في كل منها. وفور أن يُثبِت المشروع التجريبي جدواه ويحقق عائدًا على الاستثمار، سواء عبر خفض النفقات أو رفع الإنتاجية أو تعزيز استقرار التدفقات النقدية، يمكن للمستشفى عندئذٍ التوسُّع تدريجيًّا في المشروع بإدماج وحدات إضافية أو توسيع نطاقه ليشمل أقسام أخرى داخل المستشفى أو تكراره في منشآت صحية أخرى. وهذا المسار كفيل بأن يخفف وطأة المخاطر وأن يحقق سجلًا من حصائل قابلة للقياس تبرر بذل المزيد من الاستثمارات. ويرتكز نجاح هذا المسار على توافر بنية تحتية رقمية موثوقة، فمن دون بيانات موثوقة وشفافة ومُدارة وفق قواعد ومعايير واضحة ونُظُم متوافقة وقابلة للتكامل فيما بينها، فإن مشاريع الذكاء الاصطناعي التجريبية تواجه صعوبة في التوسُّع. فتحويل البيانات المشتتة عبر نُظُم مختلفة إلى رؤى سياقية يمكن فهمها هو شرط أساسي لخلق قيمة للذكاء الاصطناعي يمكن توسيع نطاقها؛ على أن توافر خريطة طريق منظمة تحدد مسار انتقال البيانات المشتتة إلى مرتبة المعلومات الجديرة بالثقة يرفع بدرجة كبيرة احتمالية نجاح المشاريع التجريبية الأولية وتوسيع نطاقها. ومحاولة واحدة من جانب مستشفى لبناء مركز ذكاء اصطناعي لديه كفيلة بأن توضح أسباب أن المشاريع التجريبية نادرًا ما تُحدِث أثرًا على مستوى المنظومة ما لم يكن هناك تصميم متأنٍ. ويلخص الجدول التالي التحديات الماثلة في القطاع الحكومي في هذا الصدد:
🎯 خاتمة تفضي هذه التحديات إلى اقتراح استخدام منصات ذكاء اصطناعي مشتركة. ففي هذه النماذج، تُسدَّد تكلفة أداة الذكاء الاصطناعي، مثل البرمجيات، وأدوات تحليل البيانات، ونظم التنبؤ، مرة واحدة، وتستخدمها بعد ذلك مستشفيات عديدة. ويساعد تقاسم المنصة على هذا النحو في توزيع النفقات على عدد من المستخدمين، ويمكِّن الذكاء الاصطناعي من التعلُّم من مجموعة أكبر من البيانات المستمدة من مستشفيات مختلفة. وثمة مسألة مهمة، هي أن هذا النهج يتفادى الحاجة إلى جمع كل البيانات الخام في مكان واحد. ويساعد هذا الأسلوب العديد من المستشفيات على التعاون في تدريب نموذج ذكاء اصطناعي مشترك، إلا أن بإمكان كل مستشفى حفظ معلومات مرضاه الحساسة بأمان في الموقع الخاص به. والمسار الأكثر جدوى في هذا الصدد هو الذي يجمع بين تطوير منصة الذكاء الاصطناعي بقيادة القطاع الخاص، مع اعتماد القطاع العام أُطُرًا لإدارتها. ويمكن للأطراف الفاعلة من القطاع الخاص أن تستثمر، وأن تتقبل تكلفة دورات التحسين في المراحل المبكرة ريثما تثبُت الجدوى الاقتصادية، في حين يقدم الشركاء من القطاع العام أُطُر الحوكمة اللازمة لإدماج هذه القدرات والتوسُّع فيها. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |