شعار أرقام ويك اند شعار أرقام ويك اند
English
شعار أرقام ويك اند
الرئيسية الإصدارات اشترك تواصل معنا موقع بوابة أرقام
الأسبوع #58 > كيف تُدير شركات التقنية العالمية مواردها البشرية مقارنةً بالشركات الخليجية؟





 

كيف تُدير شركات التقنية العالمية مواردها البشرية مقارنةً بالشركات الخليجية؟
 

اتسم المشهد التقني خلال السنوات القليلة الماضية بتناقضات لافتة، إذ لم يقتصر على الابتكار المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل امتد ليشمل توجهات متباينة جذرياً لإدارة الأرباح والقوى العاملة في الشركات الرائدة عالمياً.
 
فمن جهة، لدينا عمالقة التقنية على الساحة العالمية مثل ميتا (Meta) و مايكروسوفت  (Microsoft)، اللتين حققتا أرباحاً قياسية خلال السنوات المالية الثلاث الماضية، في الوقت الذي أقدمتا فيه على تسريح آلاف الموظفين في غضون فترة وجيزة.
في المقابل، نجد شركات اتصالات وتقنية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، مثل إس تي سي جروب (STC) في المملكة العربية السعودية و اتصالات آند (Etisalat&) في الإمارات العربية المتحدة، والتي تسجل هي الأخرى أرباحاً قوية. لكنها تتبنى نهجاً مختلفاً لإدارة مواردها البشرية، حيث تعمل على تطوير ورعاية قواها العاملة وتلتزم باستراتيجيات توظيف منضبطة. هذا النهج يعكس رؤية طويلة المدى متجذرة في سياقاتها الاجتماعية والتنظيمية الفريدة.

 
تُثير استراتيجية الربح المتبناه من قبل شركات التقنية العالمية الكبرى، والتي تتجلى في الأرباح الهائلة التي يحققها كل موظف تُسرحه، تساؤلات جوهرية حول دور الشركات، ليس فقط كمؤسسات معظمة للأرباح؛ بل ككيانات فاعلة ومسؤولة اجتماعياً.



ففي الوقت الذي حققت فيه "ميتا" نحو 3.9 مليون دولار، و"مايكروسوفت" 9.8 مليون دولار تقريباً، من الأرباح مقابل كل موظف تُسرحه، لا يسعنا إلا إمعان النظر في القيم التي توجه هذه القرارات، بما يتجاوز الحسابات المالية المجردة.
لقد حدثت أكبر موجة تسريح شهدتها ميتا في 2023، حيث ألغت عملاقة التقنية نحو 10 آلاف وظيفة، كما أنها كانت قد ألغت 11 ألف وظيفة تقريباً في 2022. وهذا يعني أن ميتا حققت 81.9 مليار دولار في غضون عامين من تبنيها استراتيجية تسريح الموظفين.

للوهلة الأولى، تُظهر هذه الأرقام الربحية الاستثنائية والكفاءة الرأسمالية لهذه الشركات، فهي لا تزال تُحقق أرباحاً ضخمة حتى بعد عمليات التسريح المكثفة. وهذا يشير إلى أن قرارات تقليص حجم القوى العاملة لا تتعلق بالبقاء المالي بقدر ما ترتبط بتعظيم أرباح المساهمين وتلبية توقعات السوق.
يتماشى هذا التحديد الاستراتيجي للأولويات مع ضغوط المستثمرين في الأسواق العامة، إذ غالباً ما تُملي الأرباح الفصلية ومسارات النمو السلوك المؤسسي.

ويوحي حجم الأرباح المحققة مقابل كل موظف مُسرّح بأن هذه القرارات تتأثر، على نحو غير متناسب، بالاعتبارات المالية قصيرة المدى، بدلاً من ضرورة العمل الحقيقية. وهذا التفسير يتوافق مع المخاوف الموثقة في التحليلات الأكاديمية والتقارير التنظيمية، بما في ذلك ورقة بحثية حديثة بعنوان:  هل تحقق شركات التقنية الرقمية أرباحاً فائضة؟، مفادها أن عمالقة التقنية غالباً ما يُعطون الأولوية لإرضاء المستثمرين والهيمنة على السوق على حساب مسؤولياتهم الاجتماعية الأشمل.
دعونا نلقي نظرة على أبرز نقاط الميزانية العمومية لشركة ميتا للسنة المالية 2024، بناءً على بيانات موقعها الرسمي.




بلغت الإيرادات 164.50 مليار دولار بزيادة قدرها 22% على أساس سنوي للعام 2024 بأكمله، بينما بلغ إجمالي التكاليف والمصروفات 95.12 مليار دولار. يمثل هذا الفرق بين الإيرادات والأرباح الربح التشغيلي لشركة ميتا بفائض 69.38 مليار دولار، ما يشير إلى أن عملاقة التقنية لم تغطِ نفقات التشغيل مثل رواتب الموظفين وتكلفة البضائع المباعة والتسويق والبحث والتطوير وتكاليف التشغيل الأخرى فحسب؛ بل حققت أيضاً فائضاً كبيراً من الأرباح.
 
في عام 2024، نفذت مايكروسوفت عمليات تسريح  ضخمة طالت نحو 9 آلاف موظف، أي ما يقرب من 4% من قوتها العاملة العالمية. وقد حدثت هذه التسريحات على دفعات شملت تخفيض قرابة 6 آلاف وظيفة في مايو من العام الماضي وحده.
كما بلغت الإيرادات السنوية، التي حققتها شركة مايكروسوفت، للسنة المالية 2024 نحو 245.122 مليار دولار، بزيادة قدرها 15.67% مقارنةً بعام 2023. بينما كان إجمالي تكاليفها التشغيلية للعام نفسه 135.7 مليار دولار، ومن ثم حققت ربحاً تشغيلياً بواقع 109.4 مليار دولار.
وهذا يتماشى مع تحليلنا بأن شركات التقنية الرقمية العالمية الكبرى تتمتع بربحية عالية وتدر عوائد تفوق تكاليفها التشغيلية بكثير.

 
🔎
الثروة الخفية للابتكار

من المهم أن ندرك أن الربح الحقيقي لهذه الشركات التقنية قد يكون أعلى بكثير مما تُظهره ميزانياتها العمومية التقليدية. وذلك كما نستخلص من ورقة بحثية بعنوان: تفسير الفشل الأخير للاستثمار القائم على القيمة.
فشركات التقنية تنفق مبالغ طائلة على البحث والتطوير والبرمجيات وتطوير المنتجات الرقمية. وغالباً ما تُعامل قواعد المحاسبة هذه النفقات كمصروفات عادية فورية، بدلاً من اعتبارها استثمارات ستؤتي ثمارها مستقبلاً. وهذا يعني أن الأرباح المُعلن عنها قد تبدو أقل من القيمة الاقتصادية الحقيقية التي تحققها هذه الشركات.

لنفترض أن شركة تقنية أنفقت 100 مليون دولار على البحث والتطوير في السنة الأولى لتطوير منتج برمجي جديد. تتطلب قواعد المحاسبة تسجيل مبلغ 100 مليون دولار بالكامل كنفقات في السنة الأولى. الآن، لنفترض أن الشركة حققت إيرادات بقيمة 150 مليون دولار من هذا المنتج على مدى 5 سنوات (بدءاً من السنة الثانية)، أي 30 مليون دولار سنوياً. فيكون حساب الربح المحاسبي كالتالي:


السنة الأولى:
● الإيرادات = 0 دولار (المنتج لم يُطلق بعد)
● النفقات = 100 مليون دولار (أنفقت الشركة تكاليف البحث والتطوير بالكامل)
● الربح = 0−100 مليون = –100 مليون دولار (خسارة)

السنوات من 2 إلى 6:
● الإيرادات = 30 مليون دولار سنوياً
● النفقات = 0 دولار (نظراً لأن تكاليف البحث والتطوير قد أنفقت مسبقاً)
● الربح = 30 مليون دولار سنوياً

إجمالي الربح المحاسبي على مدى 6 سنوات:
● خسارة السنة الأولى = –100 مليون دولار
● ربح السنوات 2–6 = 5 × 30 مليون=150 مليون
● صافي الأرباح= –100 مليون + 150 مليون = 50 مليون دولار

ولهذا السبب فإن ربحية الشركات الاقتصادية الحقيقية غالباً ما تكون أعلى مما تراه في التقارير المحاسبية القياسية، فاعتبار كافة تكاليف البحث والتطوير مصروفات فورية يجعل السنة الأولى تبدو وكأنها خسارة كبيرة، بينما تبدو الأرباح لاحقاً أعلى.

💵
أخلاقيات الربح في الخليج العربي

في المقابل، تُقدم شركات التقنية والاتصالات في منطقة الخليج نموذجاً بديلاً تُعطي فيه الأولوية للتوظيف المستدام والمنضبط، جنباً إلى جنب مع الربحية. هذا النموذج يثبت أنه يمكن تحقيق نجاح الأعمال والوفاء بالالتزامات الاجتماعية في آن واحد.
ويُوحي ذلك بإمكانية تحقيق التوازن بين الأرباح المدفوعة بالابتكار والإدارة الأخلاقية لرأس المال البشري في هذه الشركات، مُتحديةً بذلك فكرة أن تخفيض القوى العاملة يجب أن يكون الاستجابة التلقائية لتغيّر أولويات الشركات.

 
أكدت المملكة في أحدث تقرير حول رؤية 2023، على أن التقدم في سوق العمل يعود إلى مبادرات توطين الوظائف والتدريب الموجه والإصلاحات الداعمة لتعزيز اندماج الكفاءات الوطنية في مجتمع الأعمال. كما أن إعداد بنية تحتية وقوى عاملة محلية قادرة على إدارة التحول الرقمي المتسارع  يُعد من أولويات المملكة.
في 2024، كان عدد موظفي إحدي كبري الشركات التابعة لـ إس تي سي جروب وهي سوليوشنز إس تي سي 1,464 موظفاً مقارنة بإجمالي 1,719 موظفاً في 2021. ويعكس هذا الانخفاض الطفيف للغاية بذل جهود استراتيجية ممتدة لترشيد تكاليف العمليات، وليس سعياً لتعظيم الأرباح الفورية.




من جهةٍ أخرى، يُشير هذا الانخفاض المتواضع إلى استغلال دقيق للموارد لتحسين الكفاءة التشغيلية على الأرجح من خلال تحسين كفاءة العمليات، أو تبني تقنيات جديدة، أو إعادة هيكلة الوظائف. ويتناقض هذا النهج المنضبط والانتقائي في التوظيف بشكل حاد مع ثقافة  التوظيف والتسريح بسهولة في شركات التقنية الكبرى التي تشهد تسريحات جماعية للموظفين.
في المقابل، يضمن هذا النهج الدقيق أن يكون كل موظف جديد ملائماً تماماً لأهداف الشركة الاستراتيجية وثقافتها، مما يعزز الاستقرار والاستمرارية في القوى العاملة. ومن خلال إعطاء الأولوية للجودة على العدد، تتجنب سوليوشنز باي إس تي سي مخاطر التوسع السريع للقوى العاملة الذي يتبعه تسريح جماعي، مما يُزعزع المعنويات ويُعيق النمو على المدى الطويل.

 

تُظهر النتائج المالية لشركة إس تي سي جروب في عام 2024 أن الإيرادات بلغت 75,893 مليار ريال (20.2 مليار دولار)، بزيادة قدرها 5.7% مقارنةً بعام 2023. وارتفع إجمالي الربح إلى 37,300 مليار ريال (10 مليارات دولار)، بزيادة قدرها 7.4% عن عام 2023. كما بلغ صافي الربح 24,689 مليار ريال (6.6 مليار دولار)، بزيادة ملحوظة بلغت 85.7% مقارنةً بعام 2023.
ووفقاً للتقرير السنوي للشركة، فقد انخفضت المصاريف التشغيلية لشركة إس تي سي جروب بنسبة 7.3% في عام 2024 مقارنةً بالعام السابق. يعود هذا التحسن في الكفاءة، بشكل كبير، إلى انخفاض بنسبة 18.9% في تكاليف التسويق والبيع.  كما أعلنت  اتصالات أو إي آند حالياً، أيضاً في 2024، عن إيرادات مجمعة بلغت 59.2 مليار درهم، مع استقرار المصاريف التشغيلية نسبياً عند 35% من الإيرادات.

ومثل سوليوشنز إس تي سي، أولت اتصالات الأولوية أهمية كبيرة لتطوير المواهب الوطنية، محققةً نسبة توطين في عملياتها في الإمارات بلغت 54.3% في 2024، بزيادة قدرها 3.43% على أساس سنوي.


ختاماً، يصعب تبرير تكلفة عمليات التسريح، بما فيها من وظائف مفقودة ودخول وإمكانات بشرية، عندما تُعلن الشركات عن أرباح قياسية وتدفع مكافآت ضخمة للمساهمين. فالشركة ليست مجرد آلة للربح؛ بل مؤسسة اجتماعية يعتمد عليها الأفراد في سبل عيشهم. وتُعد معاملة الموظفين كعنصر يمكن الاستغناء عنه، لا سيما بعد أن ساهموا في تحقيق أرباح قوية، فشلاً واضحاً في المسؤولية المؤسسية للشركات.
أقرأ أيضــــاً
قطاع الصناديق العقارية المتداولة السعودية: هل تُشكل الملكية الأجنبية مفتاحاً لتصحيح التقييمات؟
قطاع الصناديق العقارية المتداولة السعودية: هل تُشكل الملكية الأجنبية مفتاحاً لتصحيح التقييمات؟
على مدى السنوات الثلاث الماضية، برز اتجاهٌ لافتٌ للنظر في أداء قطاع الصناديق العقارية المتداولة السعودية (REITs)، والذي يتجلى في انخفاض أسعارها السوقية قياساً بقيمها المسجلة سابقاً.
"لماذا تستثمر ""أرامكو"" و""أدنوك"" في مراكز البيانات واللغة العربية؟"
ترسم شركة أرامكو (Aramco)، إحدى القوى النفطية العظمى في العالم، والتي اشتهرت بتزويد الاقتصادات العالمية بالوقود الأحفوري، الآن مساراً مختلفاً تماماً؛ ليس في باطن الأرض، بل في أعماق عوالم البيانات واللغة.
Facebook
Twitter
LinkedIn
Instagram
YouTube
حمل تطبيقاتنا
تحميل تطبيق أرقام
تحميل تطبيق أرقام أندرويد
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة