|
ترسم شركة أرامكو (Aramco)، إحدى القوى النفطية العظمى في العالم، والتي اشتهرت بتزويد الاقتصادات العالمية بالوقود الأحفوري، الآن مساراً مختلفاً تماماً؛ ليس في باطن الأرض، بل في أعماق عوالم البيانات واللغة. لقد مرّ التزام أرامكو برصد 1.5 مليار دولار لتوسيع قدرة مراكز البيانات وتطوير نموذج للذكاء الاصطناعي باللغة العربية مرور الكرام، متوارياً خلف العناوين الرئيسية المعتادة التي تركز على أسعار النفط وحجم الإنتاج. ومع ذلك، فإن لهذه الخطوة أبعاداً أعمق بكثير مما يبدو. يلفت تحليلنا انتباه قرائنا إلى استراتيجية مثيرة للاهتمام، ألا وهي أن هذا الاستثمار يرمز إلى تحول أوسع نطاقاً ودقيقاً بين شركات النفط الكبرى، في ظلّ تحوّطها الحذر من مستقبل الوقود الأحفوري. ![]() وهذا ما يضع أرامكو في مكانة تسمح لها باغتنام فرص النمو في القطاعات التي سيشكل فيها الابتكار والتقدم التقني بمثابة المحرك الرئيسي للقيمة الاقتصادية في المستقبل. ![]() على سبيل المثال، لا يقتصر تعاون أرامكو مع غروك (Groq)، وهي شركة أمريكية ناشئة متخصصة في إنتاج شرائح استنتاج الذكاء الاصطناعي التي تعمل على تحسين السرعة وتنفيذ أوامر النماذج المدربة مسبقاً، على بناء أكبر مركز بيانات لاستدلال الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية وحسب. ففي الشهر الماضي وحده، يوليو 2025، قادت واعد فنتشرز (Wa’ed Ventures)، الذراع الاستثمارية لشركة أرامكو، جولة تمويل من الفئة ب بقيمة 30 مليون دولار لصالح شركة لوسيديا (Lucidya)، وهي شركة سعودية ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن خلال دعم الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وتقنيات الفضاء والروبوتات والتقنيات المالية، تعمل أرامكو بشكل استباقي على إنشاء محفظة تتجاوز أصولها الثابتة التقليدية المتمحورة حول النفط بكثير. ![]()
🔎 إزالة الكربون مع التركيز على تطوير الهيدروكربونات التقليدية أعاد كلا العملاقين النفطيين في الشرق الأوسط أيضاً تخصيص بعض موارد رأس المال من عمليات النفط والغاز التقليدية نحو مشاريع الطاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، مما يؤكد على تحول استراتيجي لإزالة الكربون تدريجياً من بعض مشاريعهما، بهدف اقتناص فرص السوق الناشئة في مجال تحول الطاقة. في ديسمبر، أضفت أرامكو الطابع الرسمي على شراكة استراتيجية مع شركة لينده (Linde)، الرائدة في مجال الغازات الصناعية والهندسة، ومزود خدمات حقول النفط شلمبرجير (SLB) لبناء منشأة لالتقاط الكربون وتخزينه في المملكة العربية السعودية. ولدعم طموح المملكة في توليد %50 من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، تلتزم أرامكو أيضاً بتخصيص أسهم لتطوير 15 جيجاواط من قدرة الطاقة الشمسية والرياح (أي ما يكفي لإنارة 15 مليون منزل في المملكة)، ما يساهم في تنويع قاعدة أصولها في البنية التحتية للطاقة النظيفة. كما وسّعت أدنوك محفظة استثماراتها الخضراء عبر الاستحواذ على حصة 10% في شركة ستوريغا جيوتكنولوجيز (Storegga Geotechnologies) البريطانية المتخصصة في التقاط الكربون وتخزينه، وكذلك الحصول على حصة ملكية كبيرة بنسبة 30% في منشأة لإنتاج الهيدروجين والأمونيا منخفضة الكربون في تكساس، وهو مشروع مشترك مع شركة إكسون موبيل (ExxonMobil). لكن حرصاً على الموضوعية في هذا التحليل، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن أرامكو و أدنوك قد بدأتا الاستثمار في مجالات غير نفطية مثل مشاريع الغاز الطبيعي، إلا أن هذه التحركات تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأعمالهما الأساسية في مجال الطاقة. في هذا السياق، تمثل أحدث الصفقات، وهي مشروع أدنوك تطوير الغاز الغني (RGD) بقيمة 5 مليارات دولار، وعقود أرامكو لحقل الجافورة للغاز الصخري بقيمة 10 مليارات دولار، التزامات كبيرة ضمن قطاع الهيدروكربونات. وهذا يشير إلى أنه على الرغم من وجود بعض التنويع، فإن غالبية استثماراتهما لا تزال تركز على موارد الطاقة المرتبطة بالوقود الأحفوري. ![]() ![]() على الصعيد الدولي لقطاع النفط، نستكشف في الجزء الأخير من هذا التحليل وجهات النظر المتناقضة داخل شركات الطاقة العالمية مثل بريتيش بتروليوم و شل و إكسون موبيل فيما يتعلق بتبني الطاقة المتجددة. وقد استخلصنا هذه الأفكار من ورقة بحثية حديثة نُشرت في مجلة أبحاث الطاقة والعلوم الاجتماعية، والتي مولتها وكالات للتمويل البحثي في المملكة المتحدة، وهما مجلس أبحاث البيئة الطبيعية (NERC) و مجلس أبحاث الهندسة والعلوم الفيزيائية (EPSRC) ووفقاً لمقابلات مع موظفي هذه الشركات في إطار الدراسة التي أجريت في 2023، فقد رصد الباحثون انقساماً واضحاً بين الموظفين والإدارة، حيث دعم البعض التغيير السريع فيما فضل الآخرون نهج الانتظار والترقب الأبطأ والأكثر حذراً. فقد أشار أحد الموظفين أن بعض الشركات لديها تركيبة ثابتة تجعل التغيير شبه مستحيل. ويُعد هذا الجمود داخل المؤسسة عاملاً آخر يُبطئ التكيف مع مصادر الطاقة المتجددة وأعمال الطاقة البديلة. بينما عبّر العديد من المشاركين عن مخاوف بشأن قدرة الشركات على تحويل استراتيجياتها بالسرعة الكافية لتلبية متطلبات تحول الطاقة. بالتالي، تحتاج الشركات إلى إعادة تأهيل مهارات الموظفين الحاليين وتحويل مجموعات المهارات الموجودة، وهو ليس بالأمر الهين نظراً لحجمها وتركيزها التاريخي على الوقود الأحفوري. وقد علق أحد المشاركين على الصعوبة التي تواجهها شركات النفط القائمة في التنافس مع الشركات الجديدة التي تركز بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة، والتي نجحت بالفعل في استقطاب أفضل المواهب في هذا المجال. كما تعتقد مجموعة أخرى من الموظفين أن الربحية الحالية والمستمرة لشركات النفط الكبرى في المستقبل القريب أمر حيوي لدعم هذا التحول. غير أنه، واقعياً، لا يوجد دليل يُذكر على فعالية تحقيق الأرباح لدعم مستقبل تحول الطاقة. على سبيل المثال، في أوائل 2022، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط الذي عزز أرباحها، لم تستثمر شركات النفط الأوروبية الكبرى سوى جزء ضئيل (2.5-6.3%) من تلك الأرباح في مشاريع الطاقة منخفضة الكربون. يُسلط هذا الاستثمار المحدود الضوء على وجود فجوة بين الخطاب المتعلق باستخدام أرباح الوقود الأحفوري لتمويل تحول الطاقة وبين الالتزام المالي الفعلي الذي أبدته هذه الشركات. علاوة على ذلك، يثير هذا الأمر تساؤلات حول النطاق الحقيقي لجهود التحول وسرعتها، حيث لا يزال جزء كبير من الأرباح يُستثمر في أنشطة الهيدروكربونات التقليدية بدلاً من توسيع نطاق الطاقة المتجددة أو غيرها من الحلول منخفضة الكربون. باختصار، يُظهر تحليلنا اتجاهاً ملحوظاً لدى شركتي الطاقة الرائدتين في الشرق الأوسط، أرامكو و أدنوك، لتنويع استثماراتهما في قطاعات غير مرتبطة بالطاقة، لا سيما الذكاء الاصطناعي. تعكس هذه الخطوة الاستراتيجية وعياً بالحاجة إلى التكيف مع المشهد الاقتصادي المستقبلي. لكن على الرغم من حملة التنويع هذه، تواصل الشركتان تخصيص غالبية مواردهما الرأسمالية لقطاع الهيدروكربونات الأساسي. ويُشير هذا النهج المزدوج إلى أنه في حين يوجد بعض التقدم نحو التنويع، إلا إن التحول الجذري المطلوب لتحقيق تحول فعال في مجال الطاقة لا يزال محدوداً. وربما يؤكد ذلك النهج الحذر، الذي تتبعه شركات الطاقة الكبرى في دول مجلس التعاون الخليجي، فيما تدرس تبني مستقبل الطاقة المستدامة بشكل تدريجي ومدروس بما يتماشى مع الأهداف المناخية العالمية. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |