|
تُشكل سوق الألبان العالمية شبكة معقدة تتجاوز فيها تقلبات الأسعار القطاع في حد ذاته، لتؤثر بشكل كبير على إنتاج لحوم الأبقار، وفي نهاية المطاف، على أسعار اللحوم الحمراء في دول مستوردة رئيسية مثل دول مجلس التعاون الخليجي. يكشف تحليلنا لبعض من تلك الدول، وهي باكستان والبرازيل وأستراليا والأرجنتين، عن ديناميكيات مختلفة لأسعار الألبان وإنتاجها. مع ذلك، تتشارك هذه الدول نفس القصة، وهي أن الضغوط في قطاعات الألبان لديها تُجهد سلاسل إمداد لحوم الأبقار وتُفاقم تقلبات أسعار اللحوم الحمراء بالنسبة للمستهلكين حول العالم لاسيما في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي الوقت الذي تعتمد فيه دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاتها من استهلاك اللحوم الحمراء، تبرز المملكة العربية السعودية بمعدل اكتفاء ذاتي مُبهر يبلغ 61%، متفوقةً بشكل كبير على جيرانها الإقليميين. بالمقارنة، تُحقق عُمان اكتفاءً ذاتياً بنسبة 46%، وتُؤمّن الإمارات أقل من 5% من احتياجاتها محلياً، فيما تُحافظ كل من الكويت وقطر على إنتاج نحو 15% من استهلاكها للحوم الحمراء، بينما تُنتج البحرين نسبة صغيرة للغاية من متطلباتها. تُؤكد هذه المعدلات مكانة المملكة العربية السعودية الرائدة في إنتاج اللحوم الحمراء محلياً بين دول مجلس التعاون الخليجي. ![]() وفي حين تُلبّي المملكة بنجاح غالبية طلبها على اللحوم الحمراء من خلال الإنتاج المحلي، مما يساعد على اعتدال زيادات الأسعار في أسواقها؛ إلا أنها لا تزال تعتمد على الواردات لتلبية باقي احتياجاتها بواقع 39%. ولولا هذا المستوى من الاكتفاء الذاتي، لارتفعت الأسعار بصورة أكثر حدة. على سبيل المثال، شهدت أسعار اللحوم الحمراء الطازجة السعودية،على مدى السنوات الخمس الماضية، زيادة ملحوظة، ولكن مُنضبطة (كما نرى في الرسم البياني في نهاية التحليل من منصة أرقام ماكرو) بفضل ارتفاع معدل الاكتفاء الذاتي، حيث ارتفع سعر لحم الضأن من 48 ريال تقريباً إلى 66.5 ريال، ولحم الإبل من 39 إلى 55.5 ريال، وأخيراً لحم البقر الطازج من 37.6 إلى 52.2 ريال. يعود ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، في دول مجلس التعاون الخليجي والعالم، إلى التفاعل الجوهري بين العرض والطلب على الساحة الدولية، لا سيما الضغوط التي تواجهها الدول الرئيسية المُصَدِّرة للحوم. ويُعد وضع قطاعات الألبان لديها مساهماً كبيراً في هذه التحديات. فقد أدى الارتفاع الأخير في أسعار الحليب في باكستان، عقب فرض ضريبة جديدة، إلى تفاقم أعباء التكلفة على مربي الماشية. ورغم أن هذا الارتفاع يبدو مفيداً لإيرادات قطاع الألبان؛ إلا أنه يُثقل كاهل المنتجين الهامشيين المحاصرين بين ارتفاع أسعار الأعلاف والإنتاج من جهة، وتآكل القدرة الشرائية للمستهلكين الذين يواجهون ارتفاعاً في أسعار منتجات الألبان الأساسية من جهةٍ أخرى. يتجلى هنا المبدأ الاقتصادي المتمثل في ضغط هامش الربح، إذ تتضاءل زيادة الإيرادات الناتجة عن ارتفاع مبيعات الحليب، أمام ارتفاع تكاليف المدخلات مثل الأعلاف. وعندما تتقلص هوامش الربح، يلجأ المزارعون إلى ذبح الأبقار الحلوب الأقل إنتاجية أو الخروج من القطاع بالكامل لضمان نجاتهم مالياً. يتسبب هذا الانكماش في تضييق إمدادات لحوم الأبقار، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار في الدول المُستورِدة مثل المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. علاوة على ذلك، تُزيد تفضيلات المستهلكين وارتفاع الطلب السكاني، بما في ذلك عوامل مثل الهجرة، من الضغط على سلاسل الإمداد المُجهدة بالفعل. في هذا السياق، وعندما نلقي الضوء على دولة أخرى كبيرة مصدرة للحوم الحمراء، نرى أن إنتاج الحليب في الأرجنتين تراجع بنحو 14% في عام 2024 مقارنةً بالعام السابق، وهو انخفاض سنوي كبير يشير إلى مشاكل نظامية. فعندما تنخفض أسعار الحليب دون تكاليف الإنتاج أو يتراجع إنتاج الحليب بشكل حاد، غالباً ما يتجه منتجو الأبقار أيضا لذبح الماشية منخفضة الإنتاجية أو غير المنتجة لتقليل الخسائر. هذه الزيادة قصيرة الأجل في الذبح يمكن أن تُعزز مؤقتاً إمدادات اللحوم الحمراء، ولكن التأثير على المدى المتوسط إلى الطويل هو انخفاض في العدد الإجمالي للحيوانات المتاحة لإنتاج اللحوم، مما يؤدي إلى نقص محتمل وارتفاع الأسعار في أسواق اللحوم الحمراء، كما هو موضح في دراسة مفصلة عن تركيا بعنوان: فهم تأثير إنتاج الألبان على أسعار اللحوم الحمراء. 🐄 تقلص قطعان الماشية وارتفاع التكاليف لا يمثل تأثير ضغوط سوق الألبان سوى قطعة واحدة من أحجية أكبر. فمع انخفاض أعداد الماشية المذبوحة خلال الأشهر والسنوات الأخيرة، تعمل قوى السوق الطبيعية على الحد من المعروض المتاح. كما تُضخم أسعار الأعلاف والطاقة المتزايدة حول العالم نفقات الإنتاج في جميع قطاعات الثروة الحيوانية، فيما تُفاقم الظروف المناخية المعاكسة، مثل الجفاف، والصراعات الجيوسياسية هذه التحديات من خلال تقليل توافر المراعي. في العام الماضي، سجلت الولايات المتحدة أصغر قطيع من الماشية لديها منذ عام 1951، حيث منعت المراعي الجافة والطلب القوي على لحوم الأبقار زيادة حجم القطيع للعام الخامس على التوالي. وسجلت ماكدونالدز، في العام الماضي، انخفاضاً أكبر من المتوقع في المبيعات مع استمرار تباطؤ الطلب، على الرغم من محاولاتها لجذب العملاء بعروض الوجبات الاقتصادية. في غضون ذلك، تقلصت قطعان الماشية في أوروبا إلى أدنى مستوياتها منذ أزمة جنون البقر قبل ما يقرب من 30 عاماً. وتُشكل زيادة النفقات المرتبطة بالامتثال للوائح البيئية الجديدة المتعلقة بصحة الحيوان وتغير المناخ عاملاً آخراً يساهم في الأزمة الأوروبية. لا تقتصر هذه التحديات على الحكومات، فالقطاع الخاص يلعب أيضاً دوراً مهماً، حيث تفرض المتاجر الكبرى معايير أكثر صرامة على مربي الماشية، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفيما يتعلق بالأسباب الجيوسياسية بالإضافة إلى حرب أوكرانيا وروسيا وتأثر إمدادات الذرة وحبوب أخرى، تمتع السودان، الذي كان فيما مضى أحد أكبر مُصدٍّرى الحوم الحمراء إلى دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى، بأكثر من 110 ملايين رأس من الماشية، لكنه خسر 95% من صادراته في 2025 بسبب الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 2022. ![]() فقد الاقتصاد السوداني قرابة 2.5 مليار دولار من إيراداته من الأبقار والإبل والأغنام والماعز منذ بدء الصراع بسبب توقف أنشطة التجارة والتصدير، فضلاً عن عمليات النهب والسرقة واسعة النطاق التي استهدفت الثروة الحيوانية. كما نفقت أعداد هائلة من الحيوانات بسبب تفشي الأمراض وهجرة الكوادر البيطرية الماهرة وتدمير مختبرات اللقاحات والأمصال وتدهور المراعي الطبيعية ومصادر المياه. أما في المغرب، فقد انخفض عدد الأغنام والماعز بنسبة 38% هذا العام بسبب جفاف استمر لسبع سنوات متتالية، حيث خسر مربو الماشية 1.4 مليار دولار تقريباً من عائدات الأضاحي السنوية وحدها فقط، وفقاً لتقديرات وزارة الزراعة. أخيرا، تساهم هذه العوامل المتداخلة في الضغط التصاعدي المستمر على أسعار اللحوم الحمراء في المنطقة. كما يهدد التأثير المشترك لأوجه القصور في السياسات بقطاع الألبان العالمي وتصاعد تكاليف المدخلات والإجهادات البيئية استدامة القطعان المحلية على المدى الطويل، والتي تُعد حاسمة للحفاظ على إمدادات لحوم مستقرة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |