|
أحدثت تقنية تعديل الجينات ثورة في قطاع الزراعة، خاصة بعد اعتراف المجتمع العلمي بإنجازاتها ومنح مبتكريها جائزة نوبل، ما أعاد صياغة مستقبل الطب. تُقدم هذه الأداة المتقدمة مستوى غير مسبوق من الدقة في تحسين خصائص المحاصيل، واعدةً بتعزيز الإنتاجية الجودة وزيادة مرونتها، بالإضافة إلى تعزيز استدامة الممارسات الزراعية حول العالم. ولكننا نريد من خلال هذه التحليل أن نسلط الضوء على أهمية البدء في أبحاث وتجارب تعديل جينات البذور تحديدا في المملكة، وليس الاعتماد على النباتات المعدلة وراثياً، إذ إن تلك التقنية التي ما تزال قيد التطور في دول أخرى كفرنسا والصين، يمكن أن تُسهم بشكل كبير في إعادة تشكيل مشهد الأمن الغذائي والزراعة في المملكة. تُواجه المملكة العربية السعودية تحديات بيئية فريدة؛ فمناخها جاف جداً ومواردها من المياه العذبة المتجددة محدودة للغاية، بينما تعتمد المملكة بشدة على المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة، والتي تتناقص طبيعياً عاماً بعد عام، إضافة إلى تحلية المياه لتلبية احتياجاتها. هذا الشح المائي والمناخ الصعب يحد من الزراعة التقليدية ويستلزم تطوير أصناف محاصيل ذات كفاءة عالية في استخدام المياه. كما تشهد المنطقة درجات حرارة نهارية مرتفعة جداً، خاصةً في فصل الصيف، وهذه الإجهادات الحرارية يمكن أن تُقلل بشكل كبير من إنتاجية المحاصيل. علاوة على ذلك، تُعد ملوحة التربة تحدياً رئيسياً، إذ تؤثر الملوحة العالية سلباً على نمو المحاصيل وتُقيد أنواع النباتات التي يمكن زراعتها بنجاح. هنا يأتي دور تعديل جينات البذور، الذي يمكن الاستفادة منه لتطوير أصناف محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة وأكثر تكيفاً مع ظروف الزراعة القاسية. على سبيل المثال، يمكن لتقنية تعديل الجينات أن تُمكّننا من تطوير محاصيل تحتاج إلى ري أقل، أو تتحمل مستويات عالية من الملوحة في التربة، أو تتمتع بخصائص غذائية مُحسنة تلبي الاحتياجات الغذائية للسكان المتزايدين. تجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية تعتمد بشكل كبير على واردات الغذاء، حيث تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية.
🌳 مضاعفة الإنتاج في نفس الأرض مع توقع نمو الطلب على القمح والذرة بنسبة 5% سنوياً نتيجة للنمو السكاني، تمثل تقنية تعديل الجينات فرصة واعدة لتعزيز إنتاجية المحاصيل المحلية ومرونتها. ومن خلال تطوير بذور قمح وذرة معدلة جينياً، يمكن أن يؤدي الأداء الزراعي المحسن إلى تقليل الاعتماد على الواردات، البالغة 3.5 مليون طن من القمح و5 ملايين طن من الذرة في الوقت الحالي، مما يعزز الأمن الغذائي. يمكن لتقنية تعديل الجينات أن تضاعف إنتاجية المحاصيل على نفس قطعة الأرض. فعلى سبيل المثال، إذا كان المزارع ينتج حالياً 100 كجم من القمح من هكتار واحد، فإن البذور المعدلة جينياً يمكن أن ترفع هذا الإنتاج إلى 200 كجم لنفس المساحة. هذا التضاعف يعني أنه باستخدام نفس المساحة الزراعية، يمكن للمزارعين حصاد ضعف كمية الإنتاج. ولتوضيح ذلك أكثر: إذا أرادت المملكة تقليل وارداتها من القمح البالغة 3.5 مليون طن متري باستخدام بذور معدلة جينياً، فإن مضاعفة الإنتاج لكل هكتار تعني أنها ستحتاج فقط إلى نصف المساحة المزروعة حالياً لتحقيق الهدف نفسه. هذا الارتفاع في الإنتاجية لا يعزز فقط إنتاج الغذاء؛ بل يقلل أيضاً من الضغط على الموارد الأرضية، ويقلل الحاجة إلى استصلاح أراضٍ جديدة للزراعة، ويخفض التكاليف المرتبطة بالمدخلات الزراعية. 🔎 فجوة البحث والتطوير من وجهة نظرنا، يمكن سد هذه الفجوة إما من خلال الشراكة مع شركات التقنية الزراعية الرائدة عبر البحث والتطوير ونقل التقنية، أو من خلال الاستحواذ الجزئي على الشركات الرائدة في هذا المجال، حيث يتيح هذا النهج للمملكة الوصول الاستراتيجي إلى تقنيات تعديل الجينات المتقدمة والخبرات اللازمة مع تقاسم المخاطر وتكاليف الاستثمار مع الشركة. فعلى سبيل المثال، أبرمت الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني سالك (SALIC)، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، مؤخراً، صفقة بقيمة 1.78 مليار دولار للاستحواذ على حصة مسيطرة في شركة أولام أجري هولدينجز (Olam Agri Holdings) ومقرها سنغافورة. سترفع هذه الصفقة حصة سالك من 35.43% إلى 80.01%، مع خيار الاستحواذ على النسبة المتبقية البالغة 19.99% خلال ثلاث سنوات. كما تركز أيضاً على تحويل المنتجات الزراعية الخام بكفاءة إلى سلع جاهزة للاستهلاك أو منتجات متخصصة مثل الأغذية المصنعة أو الأعلاف الحيوانية أو المواد الحيوية. وتكمن كفاءاتها الأساسية في إدارة سلسلة التوريد وبناء العلامات التجارية والعلاقات مع العملاء، ولكن بدلاً من التطوير العلمي والابتكار في أنواع البذور الجديدة. ![]() وعلى الرغم من أن تقنية تعديل الجينات لم تُدرج بعد ضمن التقنيات الزراعية المعتمدة في المملكة، إلا أن هناك فجوة واضحة في مجال البحث والتطوير المتعلق بهذه التقنية، وهو ما نحدده من خلال تحليلنا هذا، خصوصاً فيما يخص تطوير البذور. وإذا ما تم سد هذه الفجوة من خلال استثمارات استراتيجية أو شراكات بحثية، فإن تعديل جينات البذور قد يُحدث تحولاً كبيراً في القطاع الزراعي، ويُسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن الغذائي. وسوف تُكمل تقنية تعديل جينات البذور الابتكارات الزراعية التقنية الناجحة الموجودة بالفعل في المملكة. ومن الأمثلة على هذه الابتكارات، نجاح زراعة الخيار والطماطم والفلفل الحار للعام الثاني على التوالي في أراضٍ قاحلة، وذلك في المزرعة في بلدة البدع بمنطقة تبوك، وهي نتيجة تعاون بين شركة التقنية الزراعية الناشئة آيريس، وشركة ريد سي جلوبال للتطوير العقاري، والشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك). يعتمد المشروع على دفيئة مزودة بنظام لتنقية المياه وسقف مبتكر مصنوع من البلاستيك المعاد تدويره، باستخدام تقنية ساكند سكاي (SecondSky) من آيريس لحجب الأشعة تحت الحمراء القريبة وتحسين ظروف الزراعة. ![]() 🔦 القبول المجتمعي والثقة تحظى تقنية تعديل الجينات بقبول مجتمعي أعلى من الأغذية المعدلة وراثياً في العديد من الدول، ويُعزى ذلك إلى اختلاف الأطر التنظيمية من جهة، وإلى المخاوف الصحية المرتبطة بالأغذية المعدلة وراثياً من جهةٍ أخرى. ونظراً لأن المحاصيل المعدلة جينياً تُعد أكثر طبيعية من الناحية الوراثية، فإنها تواجه مقاومة أقل من الجمهور. وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن المستهلكين والمديرين التنفيذيين في شركات الأغذية الرائدة يرون أن المحاصيل المعدلة جينياً أكثر أماناً وقبولاً من الأغذية المعدلة وراثياً التقليدية. ومن بين هذه الدراسات، دراسة بعنوان: مواقف المديرين تجاه تقنية تحرير الجينات واستثمارات الشركات في البحث والتطوير في هذا المجال: حالة شركات البذور الصينية. تُعالج هذه الدراسة بعض المخاوف العامة المتعلقة بالأغذية المعدلة وراثياً من خلال بحث تجريبي، مثل احتمال تسبب الجينات الأجنبية المدخلة في ردود فعل تحسسية أو إنتاج مركبات سامة غير متوقعة. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من اختبارات السلامة المكثفة، فإن إدخال جينات من أنواع أخرى ربما يؤدي نظرياً إلى تكوين بروتينات جديدة قد تسبب استجابات تحسسية. لكن تعديل الجينات، الذي يُحدث تغييرات لا يمكن تمييزها عن الطفرات الطبيعية أو التهجين التقليدي، يقلل من هذه المخاوف، ويشجع على قبول الجمهور لها. ختاماً يمكن القول أن إنشاء برنامج أساسي لتطوير بذور معدلة جينياً في المملكة يُعد ضرورة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي الوطني. وسيتطلب ذلك بوضع إطار تنظيمي يشجع على الاستخدام المسؤول لتقنيات تعديل جينات البذور لخلق صندوق بذور سيادي، ولدعم استثمارات شركات البذور في هذا المجال، من أجل تحقيق الفوائد المرجوة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |