شعار أرقام ويك اند شعار أرقام ويك اند
English
شعار أرقام ويك اند
الرئيسية الإصدارات اشترك تواصل معنا موقع بوابة أرقام
الأسبوع #52 > اقتصاد سوق السيارات المستعملة المسروقة





 

اقتصاد سوق السيارات المستعملة المسروقة
 

تُخفي مدن الشرق الأوسط الصاخبة، حيث تعج الشوارع بسيارات الدفع الرباعي الفارهة وسيارات السيدان، حقيقة مُقلقة. فخلف واجهات بعض السيارات المصقولة ووثائقها التي تبدو قانونية، يكمن احتمال مقلق: قد تخفي شريحة من هذه المركبات ماضياً خفياً. تُرى، ما هي الأسرار التي تُخفيها هذه السيارات، وإلى أي مدى يهيمن شبح السرقة على سوق السيارات المستعملة؟

تحت واجهة علامات شهيرة مثل نيسان باترول و لاند كروزر و فورد إكسبلورر  و تويوتا كامري، تتوارى شبكة معقدة من الجرائم الدولية تضطلع بالإتجار غير المشروع  في تدفق مستمر من السيارات المسروقة من قلب الولايات المتحدة وأوروبا.

تنسل تلك السيارات، التي غالباً ما تُخبأ داخل حاويات واسعة، من أجهزة الرقابة الحدودية في موانيء المدن الساحلية تحت ستار الواردات الشرعية. فلا عجب إذن أنك تجد أحدث موديلات سيارات الدفع الرباعي والسيدان مُجهزة بأقفال عجلة القيادة في عواصم مثل واشنطن  وباريس ولندن، إذ تُستخدم هذه التدابير لحماية السيارات الثمينة من السرقة، وللحيلولة دون وصولها إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا سواءً كسيارات كاملة أو كقطع غيار.

تتجاوز تداعيات هذه الظاهرة الاقتصادية المعاملات الفردية بكثير، لتُشكل تحدياً خطيراً أمام نمو صناعة السيارات المستعملة وجهود التنظيم والإنفاذ القانوني. وحتى عندما تدخل هذه المركبات السوق عبر قنوات تبدو قانونية، فإن أصولها كسيارات مسروقة ومزيفة تؤثر على المنافسة العادلة مع الأعمال التجارية القانونية، في سوق مزدهرة  يعتمد عليها عشرات الملايين في جميع أنحاء الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي.

يُبرز تقسيم سوق السيارات المستعملة في دول مجلس التعاون الخليجي هيمنة المملكة العربية السعودية بصفتها اللاعب الأبرز بلا منازع، مستحوذةً على حصة ضخمة تُقارب 50%، تليها مباشرةً الإمارات العربية المتحدة، بينما تُقدم الكويت وقطر وعمان مساهمات أصغر نسبياً، وإن كانت ذات أهمية، في السوق الإجمالية.

 
يُتوقع نمو سوق السيارات المستعملة عبر دول الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي بمعدل كبير يبلغ 6.4% خلال الفترة من 2023 إلى 2028. يدفع هذا النمو المتوقع جملة من العوامل المحفزة من بينها التزايد السكاني المطرد وتدفق الوافدين وارتفاع مستويات الدخل، فضلاً عن تزايد إتاحة خيارات التمويل المتنوعة.

وفي تجلٍ لهذا النشاط السوقي الزاخر، تُشير أحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المملكة العربية السعودية، حتى الربع الأول من العام الماضي، إلى أن التجار والشركات قد استوردوا ما يربو على مليون سيارة تجاوزت قيمتها الإجمالية 83 مليار ريال سعودي (ما يعادل 22 مليار دولار). يضع هذا حجم الورادات الهائل المملكة العربية السعودية في مصاف أكبر 20 سوقاً عالميةً للسيارات. وتشمل هذه الواردات كلاً من السيارات الجديدة والمستعملة القادمة من 51 دولة حول العالم.

لقد تخطى إجمالي مبيعات المركبات في العالم العربي عتبة 1.7 مليون وحدة العام الماضي، حيث استحوذت المملكة العربية السعودية منفردة على حصة وافرة بلغت 36% من هذه المبيعات، مسجلةً بذلك زيادة قدرها 7.1% عن العام السابق. وتبعتها الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة 12.7%، ثم مصر في المركز الثالث بنسبة 10.9%.

 
💵
مسار متحصلات بيع السيارات المسروقة

تنطوي عملية استيراد المركبات المسروقة بشكل غير قانوني وبيعها في السوق القانونية على حوافز مالية هائلة، وهو ما يدفع العصابات الإجرامية وبعض التجار  في الشرق الأوسط إلى الانخراط في مثل هذه الممارسات غير القانونية رغم المخاطر المرتبطة بها.

لنأخذ على سبيل المثال سيارة تويوتا من طراز  لاند كروزر لعام 2023 باعتبارها مسروقة، حيث تُقدر قيمتها بحوالي 40 ألف دولار في 2025. ماذا سيحدث إذا استُوردت هذه السيارة بسعر بخس عبر قنوات غير قانونية من الولايات المتحدة وبيعت كسيارة مستعملة في السوق القانونية في بلد التاجر؟

سيدفع هذا التاجر للعصابة الإجرامية 8 آلاف دولاراً  (رقم افتراضي وفقا لتقديراتنا) مقابل السيارة سالفة الذكر. ويعكس هذا السعر المنخفض نسبياً حالة المركبة المسروقة وحاجة العصابة إلى تسييل مسروقاتها سريعاً.

وبما أن المركبة تبدو قانونية، يجب على التاجر دفع الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد حسب القانون. لنفترض أن هذه التكاليف تبلغ 45% من القيمة المعلنة في المستندات الجمركية. إذا أقر التاجر بقيمة أقل قليلاً للسيارة في حدود 30 ألف دولار لتقليل الرسوم والضرائب الجمركية  المقدرة بنحو 13,500 دولار تقريباً.

تشمل التكاليف الأخرى رسوم الشحن والتسجيل ومعالجة الأوراق والإصلاحات البسيطة، وتقدر بحوالي 2,500 دولار. أخيراً، يبيع التاجر المركبة في السوق المحليةبسعر السوق بواقع 40 ألف دولار.

يصبح إجمالي الربح هو سعر السوق مطروحاً منه إجمالي التكاليف، بما في ذلك الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد والتكاليف الأخرى كما يلي: 
40,000 – 24,000 = 16,000 دولار. 

 
🏗️
حاويات تجارة قطع الغيار المسروقة

لقد أصبحت ورش الإصلاح المستقلة، باعتبارها جزء من قطاع السيارات في الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي، الخيار المفضل للعديد من مالكي السيارات المستعملة على نحو متزايد، وذلك لجاذبيتها التي تجمع بين الكفاءة الاقتصادية وعروض الخدمة المرنة.

وبخلاف الوكالات المعتمدة التي تفرض عادةً رسوم خدمة أعلى، تُؤمِّن هذه الورش المستقلة قطع الغيار من شبكة متنوعة من الموردين. تُرسي هذه الديناميكية دعائم نظام قوي لسوق ما بعد البيع كونها تُلبي احتياجات السيارات التي تجاوزت فترة الضمان على وجه الخصوص، وهي الفئة التي تُشكل القاعدة الاستهلاكية الأكبر لقطع الغيار.

كما تُعزز منصات التجارة الإلكترونية سهولة شراء قطع الغيار. لكنها، في الوقت ذاته، خلقت بيئةً يشوبها الغموض مؤداها تشتت السوق. فالبائعون يستطيعون العمل بحد أدنى من الرقابة التنظيمية، ونادراً ما يتحقق المشترون من شرعية مصادر مشترياتهم، ما يجعلها بيئة خصبة للاستغلال من قبل الجهات غير القانونية.

من هنا، تتسلل الجماعات الإجرامية كموردين لاستغلال الطلب الكبير الناجم عن العديد من الورش المستقلة، حيث يعرضون قطع غيار مسروقة بأسعار مُغرية ومُخفضة. تُباع هذه القطع لاحقاً أو تُركب في سيارات عملاء يهتمون بخفض تكلفة الإصلاح، ما ينسج خيطاً دقيقاً من التجارة غير المشروعة بين ثنيات التجارة القانونية.

تُشكل دول مثل الولايات المتحدة وقوى أوروبية كفرنسا أسواقاً أساسية للسيارات المسروقة كقطع غيار، وعلى الأخص المحركات وقطع الغيار الأخرى مرتفعة القيمة. لكن ما يثير القلق هو أن ما يقرب من 130 ألف سيارة سُرقت من المملكة المتحدة خلال العام المنتهي في مارس 2024، وهو أعلى معدل لسرقات السيارات في 15 عاماً. بالتالي، تكبدت شركات التأمين خسائر فادحة بلغت 640 مليون جنيه إسترليني  (ما يعادل 867 مليون دولار).

يجعل هذا الحجم المرتفع من السرقات، بالإضافة إلى البنية التحتية الواسعة للموانئ وروابط التصدير الشاملة، من المملكة المتحدة نقطة عبور رئيسية للسيارات المسروقة الموجهة للتفكيك والبيع كقطع غيار في أفريقيا والشرق الأوسط بعد تزييف بيانات تسجيلها. على سبيل المثال، تُمثل حاويات متجهة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية قرابة 40% من الحاويات المُعترَضة في الموانئ البريطانية والتي تحمل سيارات مسروقة ، بينما تمثل تلك الحاويات المتجهة إلى  موانيء الإمارات العربية المتحدة 20%.


 
🔍
دورة العمل السرية للواردات المسروقة

لقد دشّن العصر الرقمي حقبة جديدة من الثغرات في أمان المركبات، حيث برزت أجهزة التشويش على الإشارات كأخطر تهديد للسيارات الحديثة. فهذه الأجهزة تتداخل ببراعة مع إشارات الأنظمة الإلكترونية المتطورة المصممة لتأمين السيارات، وبذلك تسهل سرقتها. تعتمد المركبات الحديثة على أنظمة المفاتيح الذكية لفتح الأبواب أو إغلاقها عن بُعد، ما يجعلها أهدافاً سهلة عندما تُعطّل إشاراتها بفعاليةٍ تسمح للصوص بفتحها دون الحاجة إلى مفتاح.

بعد السرقة، تلجأ العصابات الإجرامية إلى تزييف بيانات تسجيل المركبات كاستراتيجية أساسية لتقنين وضعها وإدخالها إلى الأسواق الدولية القانونية. تُمكنهم هذه الطريقة المتطورة من الالتفاف على رقابة سلطات إنفاذ القانون والاحتيال على المشترين والحكومات على حدٍ سواء.

في هذ الإطار، تعتمد فعاليتهم التشغيلية على الحصول على تفاصيل تسجيل السيارات، بما في ذلك النوع والطراز وسنة الصنع ورقم تعريف المركبة (VIN) الفريد. وغالباً ما تُجمع هذه البيانات من قوائم المزادات العامة أو تُشترى من مسؤولين فاسدين يتيحون لهذه المجموعات الإجرامية الوصول إلى معلومات تفصيلية عن المركبات غير متاحة للعامة.

تسجل تشيلي أعلى معدل لسرقات السيارات على مستوى العالم تليها أوروغواي ثم إسرائيل ولوكسمبورغ، ثم الولايات المتحدة بمعدل 288 سرقة سيارة لكل 100 ألف نسمة تقريباً.

يرتبط الارتفاع المتزايد في معدلات سرقة المركبات ارتباطاً مباشراً بتصاعد أقساط التأمين. فالسائقون الأمريكيون يواجهون الآن متوسط تكلفة تأمين سنوية للسيارات تداني 2,543 دولار (أو 212 دولار شهرياً) بزيادة قدرها 26% مقارنةً بعام 2024، متجاوزةً ضعف متوسط تكلفة التأمين السنوية في 2021 بواقع 52%. الأمر الذي دفع بعض شركات التأمين إلى رفض تغطية بعض طرازات المركبات التي تستهدفها العصابات بشكل متكرر.

 
تتطلب معالجة الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة العالمية حملة مركزة ومستمرة على هذه الجماعات الإجرامية في الغرب قبل دول الشرق الأوسط، بما في ذلك فرض أحكام سجن وغرامات أكثر صرامة، بالإضافة إلى استثمار شركات صناعة السيارات في البحث والتطوير لتحسين التقنيات الرامية إلى حماية منتجاتهم.

أما بالنسبة للسلطات في الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن تبني نظام تتبع إلزامي لجميع السيارات وقطع غيار السيارات المستوردة يعتبر أمراً ضرورياً. يتضمن هذا النظام عادةً تخصيص أرقام تعريفية فريدة، مثل رموز الاستجابة السريعة (QR codes) أو الشهادات الرقمية لكل قطعة غيار، وكذلك معلومات مثل بيانات التصنيع وبيانات الاستيراد والتصدير وسجلات نقل الملكية من المصدر. من شأن ذلك أن يزيد على الأقل من الشفافية ويقلل من تداول السيارات و قطع الغيار المسروقة في السوق القانونية.
أقرأ أيضــــاً
أسواق العقارات في الشرق الأوسط: جبهة جديدة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني
أسواق العقارات في الشرق الأوسط: جبهة جديدة في الصراع الإسرائيلي-الإيراني
بعد مرور 12 يوما، توقفت يوم الثلاثاء الحرب بين إسرائيل-وإيران، ولكن التوتر الجيوسياسي لا يزال قائما في الشرق الأوسط، ما يُنذر بتحولات في ديناميكيات الاستثمار العقاري. ويُتوقع أن تتجلى هذه التغيرات بوضوح عبر دورات القطاع في الأجلين المتوسط والبعيد
هل ينبغي على المملكة العربية السعودية تقليل مخاطر الاستثمار في الهيدروجين الأخضر؟
هل ينبغي على المملكة العربية السعودية تقليل مخاطر الاستثمار في الهيدروجين الأخضر؟
حال اضطلاع المملكة بتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر لديها، اتضح أن تلك الصناعة العالمية يتخللها تعقيدات أكبر من التوقعات المسبقة
Facebook
Twitter
LinkedIn
Instagram
YouTube
حمل تطبيقاتنا
تحميل تطبيق أرقام
تحميل تطبيق أرقام أندرويد
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة