|
بعد مرور 12 يوما، توقفت يوم الثلاثاء الحرب بين إسرائيل-وإيران، ولكن التوتر الجيوسياسي لا يزال قائما في الشرق الأوسط، ما يُنذر بتحولات في ديناميكيات الاستثمار العقاري. ويُتوقع أن تتجلى هذه التغيرات بوضوح عبر دورات القطاع في الأجلين المتوسط والبعيد. في سياق تحليلنا، نُقصي العامل الديموغرافي من دائرة التأثير المتوقع، إذ من غير المرجح أن يُفضي هذا الصراع غير المسبوق، على الرغم من إعلان شفهي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هدنة بين الطرفين، إلى تدفق جماعي للاجئين صوب دول الشرق الأوسط. يرجع هذا التقدير، في المقام الأول، إلى الحساسيات السياسية القائمة التي تُرغم العديد من الدول على فرض قيود صارمة تحول دون تدفق اللاجئين الإيرانيين إلى أراضيها. بل أن دولاً مثل تركيا والأردن ولبنان فرضت بالفعل تدابير أمنية عقب استقبالها ما يربو على ستة ملايين نازح إبان الحرب الأهلية السورية.
في دولة بحجم إيران، التي تضم ما يناهز 92 مليون نسمة، يُرجح أن يُفضي الصراع، إذا نشب مجددا، إلى أزمة لجوء تلقي بظلالها على الدول المتاخمة، كأرمينيا وباكستان وأفغانستان. بالتالي، ستتأثر حركة السوق العقارية عبر تلك الدول بالتحولات الديموغرافية الناجمة عن موجات النزوح بشكل أساسي. غير أن تحليلنا الراهن يركز على قطاع العقارات في منطقة الشرق الأوسط الأوسع، والتي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي.
❓ كيف تعيد الحرب صياغة مفهوم السعر مقابل الإيجار؟
تستغرق المشاريع العقارية بحكم اتساع نطاقها وتعقيد بنيتها أفقاً زمنياً للتطوير يمتد لأشهر، إن لم يكن لسنوات، غير أن الحروب يمكن أن تُغير حركة السوق سريعاً. على المدى القصير، قد يدفع هذا الاضطراب الجيوسياسي المستمر بعض المستثمرين في المنطقة إلى خفض أسعار العرض بنسبة تصل إلى 30% لتسريع وتيرة البيع (كما حدث في سيناريوهات حرب مماثلة في مدن أوروبية بعد الغزو الروسي عام 2022)، لا سيما بعد أن صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء في مؤتمر صحفي على هامش قمة "الناتو" أن الحرب توقفت الآن، ولكنها قد تُستأنف قريبا في إشارة ضمنية منه إلى نتيجة المفاوضات المحتملة الأسبوع المقبل بين طهران وواشنطن. في الوقت نفسه، تفتح تلك الظاهرة نافذة فريدة من الفرص للمستثمرين المخضرمين، الذين يستغلون هذه الاضطرابات العابرة لاقتناص العقارات المقومة بأقل من قيمتها الحقيقية. يراهن هؤلاء المستثمرون على انتعاش قوي للسوق وزيادة رؤوس أموالهم بمجرد انحسار التوترات الجيوسياسية. يُعد استيعاب الديناميكيات المعقدة لتقلبات أسعار العقارات خلال فترات الصراع أمر بالغ الأهمية عند النظر في نسبة السعر إلى الإيجار، وهي مؤشر رئيسي يقارن بين القيمة الشرائية للعقار وعائد الإيجار السنوي الذي يُدرّه. في الأسواق المتقلبة والمتأثرة بالصراع، يمكن أن يؤدي انخفاض محتمل على المدى المتوسط في أسعار العقارات، دون انخفاض متناسب في الإيجارات، إلى تراجع ملحوظ في نسبة السعر إلى الإيجار. وغالباً ما تُشير مثل تلك السيناريوهات إلى فرصة سانحة لاقتناص قيمة محتملة. بعبارة أخرى، تبرز نسبة السعر إلى الإيجار كمعيار محوري يضيء للمستثمرين المسار الاقتصادي الأكثر حكمة: أهو اقتناء عقار أم استئجاره؟ حيث يُستمد هذا المؤشر من قسمة متوسط سعر المسكن على متوسط العائد الإيجاري السنوي. بوجه عام، تُشير القيمة المرتفعة (التي تتجاوز 20 نقطة) إلى أن الاستئجار يُقدم جدوى مالية أكبر. وعلى النقيض، تُوحي القيمة المنخفضة (التي تقل عن 15 نقطة) غالباً بأن خيار الشراء قد يكون أكثر نفعاً. أما إذا وقعت النسبة ضمن نطاق متوسط (حوالي 15 إلى 20 نقطة)، فقد تتساوى التكاليف المالية لكل من خياري الشراء والإيجار، وعندئذٍ تُصبح العوامل الأخرى، مثل التفضيلات الشخصية ومعدلات الفائدة السائدة على الرهون العقارية، هي الفيصل في ترجيح كفة القرار النهائي.
تشير توقعاتنا لدولة مثل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى انكماش حاد محتمل في طلب المشترين على العقارات السكنية. ومن المرجح أن يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض في أسعارها. بالتزامن، قد تشهد قيم الإيجارات ارتفاعاً أو استقراراً، ما يعزى بالأساس إلى محدودية المعروض. وعليه، نتوقع تراجعاً في نسبة السعر إلى الإيجار، حيث ستتقلص الفجوة بين تكاليف شراء المنازل وتكاليف الإيجار. أما سوق الإسكان في إيران، المنخرطة أيضاً في الحرب بشكل مباشر رغم الهدنة الهشة، فقد تشهد تقلبات كبيرة في الأسعار. وربما تُعيق العقوبات الاقتصادية وتكاليف الحرب وإعادة الإعمار المتصاعدة كلاً من الاستثمار وتوافر الائتمان. كما أن الإيجارات قد تشهد ارتفاعاً بالتوازي مع التضخم (الذي يحوم حالياً حول 31%) بعكس أسعار المنازل التي قد تتجه إلى الاستقرار أو الانخفاض، ما قد يؤدي بدوره إلى تراجع نسبة السعر إلى الإيجار. على الرغم من القرب الجغرافي من الأطراف المتحاربة، إيران وإسرائيل، إلا أن دولاً أخرى ضمن نطاق تحليلنا مرشحة لتداعيات متباينة على أسواقها العقارية، وذلك رهناً بمرونتها الاقتصادية. ستُفضي هذه الديناميكيات على الأرجح إلى انخفاض، أو على الأقل تراجع معتدل، في نسب السعر إلى الإيجار داخل هذه الدول. وقد يتجلى هذا الأثر في قطر ومصر بشكل خاص، حيث ترتفع نسبة السعر إلى الإيجار بالفعل. أي أن الاستئجار، في هذه الأسواق تحديداً، قد يُصبح خياراً أكثر تفضيلاً نسبياً مقارنةً بالتملك المباشر.
🔍 دعائم صمود العقارات في خضم الاضطرابات الجيوسياسية تُرتبط قدرة أي دولة على استيعاب الصدمات الخارجية والتوترات الجيوسياسية في سوقها العقاري ارتباطاً وثيقاً بالنمو المستدام للناتج المحلي الإجمالي من جهة، وتوفير بنية اقتصادية تتسم بالتنوع والشمول من جهةٍ أخرى. على سبيل المثال، تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي من الدول الرائدة في توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الشرق الأوسط بنسبة 3.5% في 2025، وفقاً لأحدث تقديرات صندوق النقد الدولي. دأبت العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، على تنويع اقتصاداتها بشكل فعال، مبتعدةً عن الاعتماد التقليدي على الثروات النفطية نحو قطاعات واعدة مثل الصناعة والتعدين والعقارات والتكنولوجيا. يعد هذا التوجه ركيزةً أساسية للحفاظ على زخم النمو حتى في خضم فترات الاضطراب الجيوسياسي العميق.
علاوة على ذلك، يشكل الحضور القوي لصناديق الثروة السيادية الضخمة واحتياطيات العملة الهائلة عبر منطقة مجلس التعاون الخليجي حصناً مالياً، ما يمكّن هذه الاقتصادات من امتصاص الصدمات الخارجية غير المتوقعة بفعالية. واستكمالاً لهذه القوة المالية، تُحافظ العديد من دول المجلس على علاقات سياسية ودبلوماسية راسخة مع جميع أطراف النزاع، إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. تُعد هذه الروابط القوية ذات أهمية قصوى في التخفيف من المخاطر الناجمة عن التداعيات المباشرة للصراع بشكل كبير.
🔦 تحولات بطيئة و تأثيرات عميقة
عندما يتعلق الأمر بمشاريع البناء الضخمة تحت الإنشاء، عادةً ما تتكشف التداعيات على أسواق العقارات بوتيرة أكثر تدرجاً وبطئاً، حيث تتأثر تلك الأسواق بعوامل مثل التضخم وتقلبات توافر رأس المال وتغير أسعار الفائدة على الرهون العقارية، ما يؤثر بدوره على القدرة الشرائية للمشترين. قد تستجيب البنوك المركزية للضغوط التضخمية الناجمة عن صدمات العرض المرتبطة بتداعيات الحرب والاضطراب الجيوسياسي المرتفع (أسعار النفط والسلع) من خلال رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم أو الحفاظ على استقرار العملة.
في الإطار ذاته، تخلق زيادة تكاليف خدمة الدين على قروض البناء للمطورين، المقترنة بالمصروفات غير المتوقعة التي لا يغطيها التمويل الأصلي، فجوةً تمويلية. ومن ثم، يضطر المطورون إما إلى تأمين رأس مال إضافي من خلال زيادة الاقتراض أو اللجوء إلى استثمارات الأسهم أو تحمل التكاليف الإضافية بأنفسهم، وهو مسار يُقلل من هوامش أرباحهم بشكل مباشر.
🏠 عندما تؤثر السياسة على ملكية العقارات
إن الشبكة المعقدة للسياسة العالمية قادرة على تغيير جوهر ملكية العقارات بشكل جذري. فبالنسبة للمواطنين الأجانب من الأثرياء الذين يُنظر إلى ممتلكاتهم العقارية الفارهة على أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الإسرائيلية أو الإيرانية، على سبيل المثال، قد تصبح هذه الأصول على الفور مسألة حساسة سياسياً أو حتى محل نزاع في بعض الدول في الأشهر المقبلة إذا انهارت الهدنة واندلعت حرب على شكل أوسع نطاقا. قد تخضع ممتلكات بعض المستثمرين، للمصادرة أو البيع قسرياً أو الطعن على ملكيتها قانوناً، مما يحوّل ملكية بعض العقارات إلى ساحة مباشرة للمواجهة الجيوسياسية.
هذه الظاهرة ليست بلا سابقة، فبعد تصاعد التوترات الجيوسياسية في أوروبا خلال العامين الماضيين، استهدفت العديد من الدول الغربية ممتلكات النخبة الروسية في الخارج عبر عقوبات شاملة وعمليات مصادرة للأصول. على سبيل المثال، خضعت العقارات الفاخرة المملوكة لشخصيات مقربة من الكرملين في فرنسا للمصادرة مع بيعها قسرياً استجابةً لأزمة أوكرانيا. الأمر الذي يكشف كيف يمكن إعادة تعريف العقارات الفارهة كأصول جيوسياسية محل نزاع. كانت فرنسا قد صادرت ما تزيد قيمته عن 20 مليار يورو من أموال وممتلكات النخبة الروسية، وعلى رأسهم رومان أبراموفيتش، حيث تعود ملكية 12 عقاراً فاخراً من بين الأصول المصادرة للمالك السابق لنادي "تشيلسي" لكرة القدم. ختاماً، يوضح هذا التحليل أن الحروب تُعيد تشكيل قطاع العقارات بشكل كبير، سواء على مستوى الإيجارات أو الشراء، محولةً ملكية بعض العقارات في خضم الحرب إلى ساحة جيوسياسية محفوفة بالحسابات المعقدة. بل أن العقارات قد تتجاوز وظيفتها الاقتصادية التقليدية إلى أداة للقوة الناعمة ونفوذ الدولة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |