|
اختبرت الأزمات الجيوسياسية الإقليمية مراراً قدرة اقتصادات الخليج العربي على الصمود. فقد أدّى تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، واضطراب حركة الشحن في البحر الأحمر، والتهديدات المتكررة لمضيق هرمز، إلى تقويض ثقة الأعمال ورفع تكاليف التجارة وتثبيط الاستثمار الخاص في دول المنطقة عموما. ومع ذلك، نرى في هذا التحليل الصادر عن أرقام إنتليجينس أن تجربة السعودية في الآونة الأخيرة تبدو خارجة عن هذا النمط. فرغم تدهور البيئة الأمنية الإقليمية، ظل مؤشر مديري المشتريات (PMI) الذي يصدره بنك الرياض في النطاق التوسعي في معظم الأوقات، ولم يخرج عنه سوى لفترة وجيزة، وهو ما يشير إلى أن الشركات غير النفطية واصلت النمو حتى مع اشتداد المخاطر الجيوسياسية. ويثير استمرار هذا الاتجاه تساؤلاً حول مدى قدرة القطاع الخاص على الصمود في وجه تلك التحديات، وما إذا كان النشاط الاقتصادي تحميه ضخامة الاستثمار الذي تقوده الدولة.
🔍 قياس القدرة على الصمود تصدر المؤشرات الاقتصادية الكلية التقليدية، مثل الناتج المحلي الإجمالي والتضخم والبطالة، بفارق زمني كبير، وهو ما يحدّ من فائدتها خلال فترات التغير السريع في الظروف الجيوسياسية. ولذلك يعتمد صنّاع السياسات على نحو متزايد على المؤشرات عالية التواتر التي ترصد التغيرات في أوضاع الأعمال فور حدوثها. ومن بين هذه المؤشرات، أصبح مؤشر مديري المشتريات (PMI) أحد أبرز مقاييس نشاط القطاع الخاص، لأنه يعكس توقعات الشركات قبل أن تظهر في الإحصاءات الرسمية. وقد صدر أول مؤشر لمديري المشتريات في السعودية عام 2009 عن مؤسسة ماركت (Markit)، فيما بدأت ستاندرد آند بورز (S&P) في إصداره برعاية بنك الرياض عام 2022. وكان المؤشر السعودي من أوائل المؤشرات من نوعه في المنطقة، فجسّد طموحات مرحلة ما بعد النفط لدى المملكة ومحيطها الإقليمي. ويغطي المسح حالياً نحو 400 شركة في الاقتصاد غير النفطي بالمملكة، ويقيس تغيرات الإنتاج والطلبات الجديدة والتوظيف والمخزونات وآجال تسليم الموردين. وتُجمَع الإجابات في مؤشر انتشار (diffusion index) تشير قراءاته فوق مستوى 50 إلى التوسع، وتحت 50 إلى الانكماش.
ℹ︎
مؤشر الانتشار
تُجمَع إجابات استبيان الشركات في مؤشر انتشار (diffusion index) تشير قراءاته فوق مستوى 50 إلى التوسع، وتحت 50 إلى الانكماش. وهذا الرقم يبيّن ما إذا كانت الأوضاع تتحسن أم تتدهور عبر مجموعة من الشركات. تُسأل كل شركة من نحو 400 شركة مشمولة بالمسح عمّا إذا كان وضع معين من أوضاع الأعمال — الطلبات الجديدة أو الإنتاج أو التوظيف — قد تحسّن أو بقي على حاله أو تدهور مقارنةً بالشهر السابق. ويُحتسب المؤشر بأخذ نسبة الشركات التي أبلغت عن تحسّن، مضافاً إليها نصف نسبة الشركات التي أبلغت عن عدم حدوث تغيير. أما الشركات التي أبلغت عن تدهور فلا تُضاف بصورة منفصلة، لكن وزنها يُحتسب ضمنياً؛ فلأن المجموعات الثلاث يجب أن يبلغ مجموعها 100%، فإن اتساع مجموعة المتدهورين يعني تلقائياً تراجع عدد المتحسنين، ما يسحب المؤشر نحو الأسفل. فهي حاضرة في المعادلة بوصفها قوة دافعة نحو الانخفاض، لا فئة مستبعَدة. فإذا أبلغت 60% من الشركات عن تحسّن، و20% عن عدم تغيير، و20% عن تدهور، تكون قراءة مؤشر الانتشار 70. وإذا تساوت نسبتا التحسّن والتدهور تماماً، تكون القراءة 50، وهو الحد المحايد. وتعبّر كلمة الانتشار عن مدى اتساع رقعة التغير عبر عينة المسح. فمؤشر عند 55 لا يعني أن الاقتصاد نما بنسبة 5%، بل يعني أن الأوضاع الإيجابية تنتشر على نطاق واسع بين الشركات. ![]()
🔦 تراجع الصلة بين المخاطر الجيوسياسية ونشاط القطاع الخاص السعودي لا تقتصر أهمية مؤشر مديري المشتريات على قياس النشاط الاقتصادي. فلأن مديري المشتريات يتخذون قرارات التوظيف والمخزون والإنتاج في وقت مبكر، غالباً ما تنعكس تحولات ثقة الأعمال في المؤشر قبل وقت طويل من استجابة المؤشرات الاقتصادية الأوسع، كالناتج المحلي الإجمالي وبيانات سوق العمل. ولذلك يتناول هذا التحليل المؤشر لا بوصفه مجرد مقياس للنشاط الاقتصادي، بل مؤشراً بديلاً لمدى حساسية القطاع الخاص غير النفطي في السعودية تجاه المخاطر الجيوسياسية الإقليمية. فإذا واصلت الشركات الإبلاغ عن توسع رغم تدهور البيئة الأمنية، فإن ذلك يوحي بأن العلاقة التاريخية بين عدم الاستقرار الإقليمي وثقة القطاع الخاص ربما تكون آخذة في التراجع. وتتيح الأزمات الجيوسياسية الأخيرة فرصة لاختبار هذه الفرضية. فمنذ تصاعد التوترات الإقليمية في أواخر عام 2023 في غزة وإسرائيل — بما في ذلك الاضطرابات المستمرة لحركة الشحن في البحر الأحمر، والمواجهات المتكررة بين إيران وإسرائيل، وتصاعدها في عام 2026 بانخراط الولايات المتحدة — ظل مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات في النطاق التوسعي في معظم الأوقات. ورغم تراجع ثقة الأعمال في ذروة التوترات الإقليمية، تعافى المؤشر الرئيسي ليبلغ 51.5 في أبريل، و52.8 في مايو، و53.3 في يونيو، بعد انكماش مؤقت عند 48.8 في مارس 2026، فيما عاد كل من الإنتاج والتوظيف والطلب المحلي إلى النمو. ويبرز هذا التعافي على المستوى الإقليمي أيضاً. ففي يونيو 2026، كانت السعودية الأفضل أداءً بوضوح في القطاع غير النفطي بين دول الخليج؛ إذ تراجع مؤشر الإمارات إلى أدنى مستوى في خمس سنوات عند 50.8، بينما ظل مؤشرا الكويت (46.4) وقطر (47.6) دون الحد المحايد البالغ 50. ومع ذلك، جاء الانتعاش السعودي مدفوعاً بالكامل تقريباً بالطلب المحلي — إذ واصلت طلبات التصدير تراجعها وسط اضطرابات الخدمات اللوجستية الإقليمية واشتداد المنافسة الأجنبية — وهو ما يؤكد أن التعافي يستند إلى الأسواق الداخلية لا الخارجية. مؤشر مديري المشتريات في السعودية يعود إلى منطقة التوسع للشهر الثالث على التوالي في يونيو 2026 ![]()
⁉️ ما الذي لا يقيسه مؤشر مديري المشتريات تتناقض هذه القدرة على الصمود مع التوقع التقليدي بأن عدم الاستقرار الإقليمي كفيل بتقويض ثقة القطاع الخاص، وهو ما يوحي بأن الصدمات الجيوسياسية تنتقل بقوة أقل إلى الاقتصاد غير النفطي في السعودية مقارنةً بالماضي. بيد أنه لا ينبغي تفسير المؤشر بوصفه دليلاً قاطعاً على تحول هيكلي. فلأنه مؤشر انتشار، يقيس اتجاه النشاط الاقتصادي لا حجمه، ولا يمكنه التمييز بين التوسع المدفوع بالسوق والطلب الناتج عن الإنفاق الحكومي. ولذلك يتناول القسم التالي ما إذا كانت القدرة على الصمود التي يعكسها المؤشر تمثل تراجعاً هيكلياً في انتقال الصدمات الجيوسياسية، أم مجرد استمرارٍ للأثر العازل الذي يوفّره الاستثمار الذي تقوده الدولة. ![]() ❓ لماذا ظل المؤشر صامداً؟ يوحي استمرار القراءات التوسعية للمؤشر بأن الصدمات الجيوسياسية الإقليمية لم تعد تنتقل إلى الاقتصاد غير النفطي في السعودية بالقوة التي تتوقعها الافتراضات التقليدية. وبدلاً من أن يكون لهذا الصمود مصدر واحد، يبدو أنه ينبع من عدة عوامل متضافرة. فقد أدى تعزّز الطلب المحلي، وإصلاحات سوق العمل، واتساع الاقتصاد غير النفطي، واستمرار الاستثمار العام، إلى تقليل اعتماد الشركات على الظروف الخارجية، بما سمح للنشاط الاقتصادي بالبقاء صامداً رغم بيئة أمنية إقليمية أكثر تقلباً. ولعب تنوّع الاقتصاد المحلي دوراً مهماً في هذا التحول. فقد أدى ارتفاع معدلات المشاركة في سوق العمل، وتزايد توظيف المرأة، واستمرار خلق فرص العمل، إلى تعزيز دخول الأسر والإنفاق الاستهلاكي، ما وفّر للشركات مصدر طلب أكثر استقراراً مقارنةً بالعقود السابقة. وينعكس ذلك في تركيبة المؤشر نفسه. فرغم الاضطرابات الجيوسياسية المتتالية، ظل مؤشر الطلبات الجديدة في النطاق التوسعي خلال جانب كبير من عامي 2025 و2026، ما يوحي بأن الشركات واصلت تلقّي طلب محلي كافٍ لدعم الإنتاج والتوظيف. وفي الوقت نفسه، أدى استمرار النمو في قطاعات السياحة والصناعة التحويلية والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية إلى توسيع القاعدة الاقتصادية للمملكة، وتقليل الاعتماد على الهيدروكربونات والأسواق الخارجية. ورغم ارتباط هذه التطورات ارتباطاً وثيقاً بأهداف رؤية 2030، فإن الأثر الأكثر مباشرةً هو أن الاضطرابات التي تصيب قطاعاً واحداً أو مساراً تصديرياً بعينه باتت أقل قدرةً على تقويض الثقة في عموم الاقتصاد الخاص. غير أن التنويع وحده لا يفسّر تماماً صمود المؤشر. فلا يزال نموذج التنمية في السعودية يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العام، وخصوصاً عبر مشاريع البنية التحتية والإسكان والتنمية الصناعية والسياحة التي تولّد طلباً كبيراً على المقاولين والموردين من القطاع الخاص. وتشير التقييمات الدولية إلى الاتجاه نفسه. فقد لاحظت بعثة المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في يونيو 2026 أن النشاط غير النفطي حظي بدعم بسبب استقرار التوظيف والإنفاق الحكومي والتنفيذ المطّرد للمشاريع الرأسمالية العامة والخاصة، وترى أن التعافي في المدى القريب مرهون بعودة الشحن البحري عبر مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي. وعلى نحو مماثل، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 4.5% في 2025 إلى 3.2% في 2026، مع توقّع بقاء الناتج غير النفطي صامداً بفضل قوة الطلب المحلي والاستثمار العام المُعجل. ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن المؤشر يسجّل التغيرات في النشاط الاقتصادي لا مصدر الطلب. فشركة مقاولات تعمل في مشروع بنية تحتية مدعوم حكومياً تُسهم في المؤشر بالطريقة نفسها التي تُسهم بها شركة تتوسع استجابةً لفرص تجارية بحتة. وبناءً على ذلك، قد لا يعكس صمود المؤشر تحسّن تنافسية القطاع الخاص فحسب، بل أيضاً الثقة في أن الاستثمار الحكومي سيواصل دعم تدفق الطلبات رغم عدم الاستقرار الإقليمي. ومن ثمّ تشير الأدلة إلى أن القطاع الخاص السعودي بات أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية، لكن هذا الصمود يظل وثيق الصلة بنموذج اقتصادي يواصل فيه الاستثمار العام امتصاص المخاطر الخارجية. فرغم الاضطرابات الجيوسياسية المتتالية، ظل مؤشر الطلبات الجديدة في النطاق التوسعي خلال جانب كبير من عامي 2025 و2026، ما يوحي بأن الشركات واصلت تلقّي طلب محلي كافٍ لدعم الإنتاج والتوظيف. وفي الوقت نفسه، أدى استمرار النمو في قطاعات السياحة والصناعة التحويلية والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية إلى توسيع القاعدة الاقتصادية للمملكة، وتقليل الاعتماد على الهيدروكربونات والأسواق الخارجية. ورغم ارتباط هذه التطورات ارتباطاً وثيقاً بأهداف رؤية 2030، فإن الأثر الأكثر مباشرةً هو أن الاضطرابات التي تصيب قطاعاً واحداً أو مساراً تصديرياً بعينه باتت أقل قدرةً على تقويض الثقة في عموم الاقتصاد الخاص. غير أن التنويع وحده لا يفسّر تماماً صمود المؤشر. فلا يزال نموذج التنمية في السعودية يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العام، وخصوصاً عبر مشاريع البنية التحتية والإسكان والتنمية الصناعية والسياحة التي تولّد طلباً كبيراً على المقاولين والموردين من القطاع الخاص. 📈
صمود هيكلي أم نمو مدعوم من الدولة؟ لا يمكن لمؤشر صامد، بمفرده، أن يميّز بين قطاع خاص قادر فعلاً على الاستدامة الذاتية وآخر مدعوم بإنفاق عام مستمر، ما دام يقيس تغيّر النشاط لا مصدر الطلب. وبالنظر إلى حجم مشاريع البنية التحتية والإسكان والسياحة الممولة عبر صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، يبدو من المعقول أن جزءاً من الصمود الذي يعكسه المؤشر يتصل بالثقة في استمرار الطلب المدعوم حكومياً رغم حالة عدم اليقين الإقليمي. ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذا الصمود مصطنع؛ فقد أقرّت أدبيات التنمية الاقتصادية منذ أمد بعيد بأن الحكومات قد تؤدي دوراً محفّزاً خلال فترات التحول الهيكلي، إذ توظّف الاستثمار العام لخلق الأسواق ريثما يتّسع نطاق الاستثمار الخاص بما يكفي لدعم النمو على نحو مستقل. ويبدو أن السعودية تسير على نموذج تنموي مماثل، حيث يقلّل استثمار الدولة من التكلفة الاقتصادية للتحول، ويشجّع في الوقت ذاته توسّع الصناعات غير النفطية. وفي هذا السياق، لا يتعارض استمرار انخراط الحكومة مع تحسّن قدرة القطاع الخاص على الصمود؛ بل قد يكون أحد الآليات التي تطوّر من خلالها هذا الصمود. ولذلك ينبغي تفسير مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات بوصفه دليلاً على اقتصاد يمر بمرحلة انتقالية، لا على اقتصاد اكتمل تحوله. فالمؤشر يوحي بأن العلاقة التاريخية بين الصدمات الجيوسياسية الإقليمية وثقة القطاع الخاص قد تراجعت إلى حد كبير، غير أنه لا يستطيع بعدُ أن يثبت أن هذا الصمود قد استقلّ تماماً عن دعم الدولة. ويأتي المحكّ الحقيقي إذا بدأ الاستثمار العام في التباطؤ؛ فإن واصل المؤشر تسجيل توسع مستدام في تلك الظروف، تعزّزت كثيراً الحجة على وجود قطاع خاص قادر فعلاً على الاستدامة الذاتية والصمود أمام الصدمات. ![]() 🎯 خلاصة يوحي مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات بأن القطاع الخاص غير النفطي في السعودية بات أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية الإقليمية مما قد تتوقعه التجربة التاريخية، غير أن المؤشر وحده لا يفسّر سبب هذا الصمود؛ فهو يتّسق مع اقتصاد أكثر تنوعاً مدعوم بطلب محلي أقوى، ويعكس في الوقت نفسه استمرار دور استثمار الدولة. ولذلك يُقرأ المؤشر دليلاً على تنامي القدرة على الصمود، لا برهاناً قاطعاً على قطاع خاص مكتمل الاستدامة الذاتية. وبذلك تبدو الإجابة عن السؤال المحوري في هذا التحليل إيجابيةً وإن بقيت مشروطة؛ فالقطاع الخاص السعودي يستجيب للصدمات الإقليمية على نحو يختلف عمّا كان عليه في الماضي، وسيتّضح مع التباطؤ التدريجي للاستثمار العام ما إذا كان ذلك تحوّلاً هيكلياً دائماً أم استمراراً للأثر الواقي الذي يوفّره الاستثمار الذي تقوده الدولة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |