شعار أرقام ويك اند شعار أرقام ويك اند
English
شعار أرقام ويك اند
الرئيسية الإصدارات اشترك تواصل معنا موقع بوابة أرقام
الأسبوع #103 > تقييم اقتصاديات المتر المربع في قطاع البناء والتشييد بالمملكة العربية السعودية










تقييم اقتصاديات المتر المربع في قطاع البناء والتشييد بالمملكة العربية السعودية
 

قد لا تكون الرياض هي المدينة التي تخطر على البال عند المقارنة مع باريس، فالأولى عاصمة تعيد ابتكار نفسها بوتيرة متسارعة. والثانية مدينة ضاربة في القدم يستغرق فيها الحصول على رخصة لبناء شرفة سطح ستة أشهر.
ومع ذلك، تكاد تكلفة تشييد مبنى تتطابق في كلتا المدينتين. ففي الرياض يتكلف المتر المربع 3,112 دولاراً في مقابل 3,153 دولاراً في باريس. وتقع مدن مثل سنغافورة (3,104 دولاراً) وبريسبان في أستراليا (3,135 دولاراً) ضمن النطاق نفسه.


ورغم هذا التطابق في التكلفة الإجمالية، يبرز فارق واحد حاد: الأجور. فالسعودية تمتلك بعضاً من أرخص عمالة البناء في العالم، فتبلغ تكلفة عامل البناء في الرياض على صاحب العمل 12 دولاراً في الساعة شاملةً الأجر والبدلات والضرائب والتأمينات، أي ربع التكلفة في باريس البالغة 45 دولاراً، وعُشر تكلفة العامل السويسري. لكن ذلك لا يُترجَم إلى مبانٍ رخيصة.
وهذه ليست مجرد مفارقة غريبة، بل حقيقة تمسّ المالية العامة. فقد خصصت رؤية السعودية 2030 أكثر من تريليون دولار لقطاع البناء والتشييد، أي أكثر من عُشر السوق العالمية البالغة 9.4 تريليون دولار. وتشهد السعودية والإمارات أعلى معدلات نمو في النشاط الإنشائي على مستوى العالم. وتُلقي مفارقة التكلفة هذه بثقلها على كل دولار يُنفق في هذه المشاريع.

🔢
الأرقام

بيانات تكاليف البناء تغطي 99 سوقاً في 42 دولة، وتُقدّر تكلفة ستة أنواع قياسية من المباني بالدولار الأمريكي وفق أسعار الصرف في مارس 2025. وقد جاءت النتائج مخالِفةً لما يمليه الحدس.





وفي المعتاد تمثل تكلفة العمالة ما بين 30% إلى 50% من تكلفة أي مشروع إنشائي. فإذا كانت العمالة تشكل نحو 40% من التكلفة، وتتكلف العمالة في الرياض ربع تكلفة نظيرتها في لندن (12 دولاراً في الساعة مقابل 44 دولاراً)، فإن تكلفة المباني يُفترض أن تبلغ نحو 70% من تكلفتها في لندن البالغة 5,385 دولاراً للمتر المربع، أي نحو 3,770 دولاراً. لكنها في الواقع تبلغ 3,112 دولاراً، أي 58%.
الرياض أرخص من لندن، لكن ليس بالقدر الذي توحي به أجورها. وأمام باريس تبدو المفارقة أكثر حدة: تكلفة العمالة هي الربع (12 دولاراً في الساعة مقابل 45 دولاراً)، ومع ذلك تكاد تكلفة المباني تتطابق (3,112 دولاراً مقابل 3,153 دولاراً).
لكن التوفير في الأجور يغطيه الإنفاق الأعلى على المواد وهوامش مقاولي الباطن والإدارة. وفي الأعمال المعقدة تزداد المفارقة حدّة: ففي المطارات والمشاريع العملاقة تضاهي تكاليف الخليج العربي مستوياتها في الغرب أو تتجاوزها. وتشهد كل أسواق الشرق الأوسط نقصاً في العمالة الماهرة وهو ما يُبطئ وتيرة التنفيذ إلى حدّ كبير. فالنقص ليس في أعداد العمالة، بل في مهاراتها.

يبلغ معدل تضخّم تكاليف البناء في الرياض 5% سنوياً، أي نحو ضعف المعدل الأوروبي البالغ 2.9%. والفجوة بين التكلفة في دول مجلس التعاون الخليجي والغرب تضيق ولا تتسع. وتتعمق حدة المفارقة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الملاعب وشبكات المترو ومحطات تحلية المياه، إذ تمثل العمالة حصة أصغر من إجمالي التكلفة، بينما تستحوذ المعدات المستوردة والخبرات الهندسية المتخصصة على النصيب الأكبر.

❓
لماذا تعجز العمالة الرخيصة عن إنتاج مبانٍ رخيصة؟

ونعود لنطرح السؤال الرئيسي:  لماذا تعجز العمالة الرخيصة عن إنتاج مبانٍ رخيصة؟ تتداخل عوامل محددة هنا. فمن جانب الطلب، تجاوز طموح رؤية السعودية 2030 الطاقة الاستيعابية لسوق محلية لا تزال في طور بناء قدراتها. ومن الطبيعي أن تفرض وتيرة الطلب وحجمه ضغطاً تصاعدياً على الأسعار في القطاع بأكمله. ومن جانب العرض، تمنع ثلاث سمات هيكلية انخفاض التكاليف، وهي: المواد المستوردة، وهوامش مقاولي الباطن المتراكمة، والإدارة باهظة التكلفة.
منذ الورقة البحثية للاقتصادي البريطاني رونالد كوز (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1991) بعنوان طبيعة الشركة عام 1937، بات راسخاً لدى الاقتصاديين أن اختيار الشركة بين إنجاز العمل داخلياً أو إسناده إلى الخارج يتحدّد في النهاية بأيّهما أقل تكلفة.

فحين يتعذر الاعتماد على الموردين للتسليم في الموعد وبالسعر المتفق عليه وبالجودة المطلوبة، أو يصعب ضمان الوفاء بالعقود، وفي ظل شح المهارات المتخصصة، يصبح تنفيذ العمل داخل الشركة أرخص من الحصول عليه من الخارج.
وفي الخليج العربي، حيث يجري البناء عبر سلاسل طويلة من مقاولي الباطن بدلاً من شركات متكاملة، تشكل تكاليف هذه المعاملات حصة كبيرة من السعر النهائي.

🔍
المواد المستوردة

تنتج دول مجلس التعاون الخليجي المواد الأساسية محلياً؛ فلدى السعودية طاقة إنتاجية سنوية من الإسمنت تبلغ 85 مليون طن، وتصدّر الفائض. لكن المكونات المتخصصة، مثل المصاعد والواجهات الزجاجية والأنظمة الكهروميكانيكية ولوحات التوزيع الكهربائية، يتم استيرادها من أسواق عالمية تهيمن عليها شركات قليلة العدد. وعندما يتجاوز طلب المشاريع العملاقة الطاقة الإنتاجية للمواد الأساسية، يصبح حتى الفولاذ مستورداً من الخارج؛ بحسب المعطيات المتوفرة، استهلك مشروع نيوم في ذروته خُمس الفولاذ الإنشائي في العالم.
وكشفت الأحداث الجيوسياسية عن مواطن الضعف في هذه الترتيبات، حين أدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية. فقفزت أسعار أنابيب البولي فينيل كلوريد (PVC) بنسبة 70% في اليابان و28% في أستراليا. ولم يتأثر إنتاج الخليج العربي من البتروكيماويات، لكن المكونات الجاهزة التي يستوردها، مثل لوحات التوزيع الكهربائية والأنظمة مسبقة الصنع والتجهيزات المتخصصة، تعرّضت لاضطراب الشحن نفسه الذي طال الجميع.

ويعني سعي صندوق الاستثمارات العامة إلى رفع المحتوى المحلي إلى 60% في المشاريع العملاقة أن أكثر من خُمسَي الإنفاق على هذه المشاريع يتسرب خارج الاقتصاد الوطني. وللمقارنة، تبلغ التكلفة في مومباي 723 دولاراً للمتر المربع، حيث تملك الهند مصانع الفولاذ الخاصة بها؛ وفي جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا 1,188 دولاراً، حيث تتوافر العمالة ويَسهُل الوصول إلى المواد؛ وفي بوغوتا الكولومبية 1,265 دولاراً، حيث تُنتَج معظم مواد البناء محلياً. وكل من هذه الأسواق يجمع بين الأجور المنخفضة والإنتاج المحلي. أما الرياض فتملك أيدي عاملة رخيصة، لكنها تستورد كل مكونات الإنتاج الأخرى تقريباً. 
وتوضح صناعة المصاعد هذه النقطة. فأربع شركات، هي كوني وأوتيس وتي كيه إي وشندلر، تبلغ حصتها مجتمعةً ثلثي السوق العالمية. ويبلغ سعر المصعد 320,000 دولار في الرياض مقابل 218,000 دولار في دبي، أي علاوة قدرها 47% يفسرها الطلب لا الأجور. وفي ناطحة سحاب خليجية معتادة، تمثل هذه المكونات المسعّرة عالمياً ما بين 30% و40% من إجمالي التكلفة.

 
🔦
هوامش مقاولي الباطن المتراكمة

المقاولات من الباطن شائعة في كل مكان. والفارق في الخليج العربي هو ضخامة الهامش — أي العلاوة التي يضيفها كل مقاول فوق تكلفته — وضعف المنافسة. فمجموع النفقات العامة والأرباح وتكاليف إدارة الموقع يبلغ 25% في المشاريع الكبرى فب الرياض، أي نحو ضعف نظيره في لندن البالغ 14%، وأعلى بكثير أيضا من زيورخ البالغ 15%. وتُطبّق هذه العلاوة على مواد مستوردة تحمل أصلاً تكاليف لوجستية، عبر سلاسل حصرت فيها طفرة المشاريع العمل في عدد أقل من المقاولين، وأضعفت المنافسة في المناقصات.
وتُفاقم التكاليف الإدارية والتنظيمية المشكلة. فإجراءات التأشيرات، والامتثال لمتطلبات مساكن العمال، ومتطلبات الصحة والسلامة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، تضيف نفقات غائبة عن الأسواق الأصغر. وحين يتجاوز الطلب القدرة التنظيمية، تكون النتيجة تأخيرات وتجاوزات في التكلفة تتراكم خارج نطاق الرصد والقياس.

ويُقدّم الاقتصادي الأمريكي أوليفر ويليامسون (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2009) التفسير الأعمق من خلال مفهوم تكاليف المعاملات، الذي طوّره في ورقته الأسواق والتسلسلات الهرمية عام 1973: فكلّما انتقل العمل من جهة إلى أخرى، وجب الاتفاق على الشروط، وفحص المُنجَز، ومعالجة ما قد يطرأ من مشكلات.
وفي قطاع البناء تتفاقم هذه التكاليف لأن كل مشروع يُبنى وفق مواصفات خاصة يصعب تحديدها مسبقاً، مما يُعقّد التعاقد ويرفع كلفة الإشراف. وعلى المستوى العالمي، يتفاءل 71% من قادة القطاع بمستوى الطلب وفق مسح تيرنر وتاونسند 2025 — غير أن نقص الكفاءات المتخصصة يبقى القيد الحاسم في معظم الأسواق، ومنها الخليج العربي. ومحصلة ذلك أن قلة المتنافسين المؤهلين تمنح المقاولين قدرة تسعيرية مرتفعة في كل مستوى من مستويات التنفيذ.

وفي ظل طلب مرتفع وقدرة محدودة، يتراجع عدد المقاولين القادرين على المنافسة، فيظفر كلٌّ منهم بهامش أكبر في كل طبقة من سلسلة المقاولات. والحالة المصرية دالّة في هذا الصد: إذ قد تبلغ أتعاب الإشراف على أعمال البناء وحدها 35% من قيمة العقد، أي أن أكثر من ثلث قيمة العقد يذهب إلى الإشراف لا إلى البناء نفسه.

⁉️
ضغط الطلب

يبلغ متوسط تكلفة المبنى في الرياض 3,112 دولاراً للمتر المربع، مقابل 1,926 دولاراً في دبي، أي بفارق 1,186 دولاراً أو 62%، رغم اشتراكهما في سوق العمل الإقليمية نفسها. وتبلغ تكلفة استئجار الرافعة البرجية في العاصمة السعودية 4,202 دولاراً في الأسبوع، مقابل 2,178 دولاراً في دبي، أي علاوة قدرها 93% يفسرها الطلب وحده.
وارتفعت الإيجارات في الرياض بنسبة 50% منذ 2020، وتضاعفت أسعار الشقق. في المقابل، لم ترتفع الأجور في السعودية إلا بنسبة 11% منذ 2016، بينما بلغ التضخم التراكمي 17%، أي أن الأجور الحقيقية تراجعت.

ويمثل مشروع ذا لاين مثالا بالغ الدلالة. فقد قفزت ميزانيته نحو ثلاثة أضعاف، من 1.6 تريليون دولار إلى تقدير داخلي يبلغ 4.5 تريليون دولار في غضون أشهر، مدفوعةً لا بتوسّع المشروع نفسه، بل بندرة الإمدادات.
والدلالة الأوسع تتلخص في حساب بسيط. فإذا كانت العمالة تمثل 19% من تكلفة مبنى سعره 3,112 دولاراً للمتر المربع، والمواد المستوردة 56%، فإن خفض تكاليف العمالة إلى النصف لن يقلّص الإجمالي إلا بأقل من 10%.

لكن ارتفاع أسعار المواد بنسبة 20% يضيف 11% إلى الفاتورة. فتأثر ميزانية المملكة بهذه التكاليف يتجه في معظمه إلى أسواق السلع العالمية لا إلى مستويات الأجور المحلية. وصدمة في أسعار المواد توازي اضطراب مضيق هرمز 2026 من شأنها أن تضيف حوالي 60 مليار دولار إلى تكلفة قطاع السياحة وحده، أي نحو ضعف عجز الميزانية في السعودية.

💸
الإدارة باهظة التكلفة 

تبلغ تكلفة رئيس العمال في موقع بالرياض 24 دولاراً في الساعة، أي ضعف تكلفة العامل البالغة 12 دولاراً. ويتقاضى المتخصص الإنشائي في منطقة الخليج 10,300 دولار شهرياً في المتوسط، أي ما يعادل خمسة أضعاف أجر العامل. وكما هو الحال في سائر اقتصادات المنطقة، تعتمد المملكة العربية السعودية اعتماداً كبيراً على الكفاءات الأجنبية في كل مستوى من مستويات القطاع الإنشائي، من العمال في المواقع إلى خبراء التكاليف الإنشائية والمهندسين الاستشاريين. تكلفة العامل زهيدة. أما من يديرونهم — من المشرفين والمهندسين والمتخصصين — فيتقاضون أجوراً بمستويات كبيرة أياً كان موقع المشروع، وتدخل تكلفتهم في سعر كل متر مربع.
 
⏳
ماذا يعني ذلك لرؤية 2030





هذه الآليات الأربع — المواد المستوردة، والهوامش المتراكمة، وضغط الطلب، والإدارة باهظة التكلفة — هيكلية لا دورية؛ فهي سمات دائمة في السوق لا تزول مع تباطؤ الطلب، وآثارها تتراكم. فالنفقات العامة في الرياض تبلغ 25% مقابل 14% في لندن، أي فجوة قدرها 11 نقطة مئوية. ومع إضافة المواد المسعّرة عالمياً وتكاليف المعدات التي يرفعها الطلب، تبلغ العلاوة الإجمالية نحو 20% من تكلفة المشروع، مقارنةً بسوق يتمتع بسلاسل توريد محلية ومنافسة في المناقصات.
خصصت السعودية حوالي 550 مليار دولار على قطاع السياحة وحدها على مدى ست سنوات. وتعني زيادة هيكلية قدرها 20% على هذا الرقم أن هنالك 110 مليار دولار تمتصها سلسلة التوريد بدلاً من أن تتحول إلى طاقة استيعاب فندقية.

وفي أبريل، كشف صندوق الاستثمارات العامة عن استراتيجية تُعيد تنظيم استثماراته في ست منظومات اقتصادية متكاملة بدلاً من 13 قطاعاً. وبعد استثمار 199 مليار دولار محلياً بمعدل 40 مليار دولار سنوياً، لم يقدّم الصندوق تعهداً مماثلاً للفترة 2026-2030، في إقرار ضمني بأن وتيرة الإنفاق غير مستدامة عند مستويات تكاليف البناء الحالية.
وتتضح ملامح إعادة المعايرة. فقد جرى وقف مشروع بناء المكعب، وهو ناطحة سحاب مكعبة الشكل بارتفاع 400 متر كان مخططاً لها أن تبنى في حي القيروان بالرياض. وأُنهي عقد تروجينا البالغ 4.7 مليار دولار لمنتجع جبلي للتزلج يعمل على مدار العام عند نسبة إنجاز 30%.

وجرى تقليص مشروع ذا لاين مراراً. ويتحول تركيز نيوم حاليا إلى مراكز البيانات والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات لا تتطلب واجهات خارجية مستوردة. وسرّعت الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية هذا المسار: فاتسع عجز الميزانية إلى 33.5 مليار دولار في الربع الأول من 2026، وهو الأعلى منذ 2018، وارتفع الإنفاق الدفاعي بنسبة 26%، وخفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للناتج المحلي الإجمالي من 4.5% إلى 3.1%. وأتاحت التوترات الجيوسياسية المتغيرة الناجمة عن هذه الحرب فرصة للمملكة لإعادة معايرة محفظة مشاريعها، بما يقرّب الطموح من الانضباط المالي.
وتُظهر تجربة قطر الجانب الإيجابي: فبعد كأس العالم، تراجع التضخم في الدوحة إلى 1%، إذ يزول ضغط الطلب بانتهاء الطفرة. لكن تبقى العوامل الهيكلية قائمة — غياب سلاسل التوريد المحلية، والاعتماد على المكونات المستوردة، وعمق سلاسل المقاولات من الباطن — مهما كان عدد المشاريع المدرجة.
🎯
خلاصة أخيرة

المفارقة ليست في العمالة، ولم تكن كذلك قط. بل في كل ما عداها: مكونات متخصصة مستوردة تسعّرها الاحتكارات العالمية، وهوامش مقاولي الباطن المتراكمة طبقةً فوق أخرى، وطلب يفوق طاقة سوق ناشئة، وخبرة مكلفة لازمة لإدارة العمالة الرخيصة.
ويتطلب حلّ مشكلة التكلفة التحرك على كل جبهة. أولاً، تصنيع ما هو أبعد من الإسمنت محلياً: المكونات الميكانيكية والكهربائية، والزجاج، والوحدات سابقة التصنيع. والمفاضلة حقيقية: فالاستيراد من الأسواق العالمية أكثر كفاءة في زمن السلم، لكنه هش تحت الضغط الجيوسياسي، كما أظهرت أزمة إغلاق مضيق هرمز.

كما أن بناء القدرة المحلية يكلّف أكثر لكل وحدة، لكنه يقلّص الانكشاف على صدمات قد تضيف مليارات بين عشية وضحاها. ثانياً، سلاسل توريد أقصر: فالشركة الواحدة التي تصمم وتشتري وتبني تلغي الهوامش المتراكمة عبر أربع طبقات. ثالثاً، انضباط الطلب: فالمشاريع الأصغر الموزعة على عدد أكبر من المقاولين تعيد المنافسة في المناقصات.
وقد أثبتت المملكة أن التكاليف المنخفضة ممكنة حيث تتوافر المزايا المحلية. فمحطة الشعيبة تنتج الكهرباء بسعر 0.01 دولار لكل كيلوواط/ساعة، أي جزء من عشرين من سعر الكهرباء النووية البريطانية في محطة هينكلي بوينت. وتبيع شركة هيومين السعودية خدمات الحوسبة بنصف السعر العالمي اعتماداً على الطاقة الشمسية. وكلاهما لا يتطلب واجهات زجاجية مستوردة. وإذا طُبّق المنطق نفسه على البناء، أي الإنتاج المحلي، وعدد أقل من الوسطاء من مقاولي الباطن، وطلب متسلسل، فإن أزمة التكلفة تصبح قابلة للحل. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل التكاليف الهيكلية تستهلك عشرات المليارات من الدولارات من ميزانية مشاريع البناء في المملكة، وهي أموال تُدفع لمقاولي الباطن واللوجستيات والمكونات المستوردة بدلاً من إنفاقها على عملية البناء ذاتها.
أقرأ أيضــــاً
حاضرة في السباق، خارج دائرة القرار التجاري: قراءة في الموقع السعودي من فورمولا 1
حاضرة في السباق، خارج دائرة القرار التجاري: قراءة في الموقع السعودي من فورمولا 1
أكثر من 100 مليون دولار تدفعها السعودية سنوياً لمجرد المشاركة في سباقات الفورمولا 1. ومن هذا المبلغ، يمثّل نحو 55 مليون دولار رسوماً سنوية تتقاضاها شركة ليبرتي ميديا — وهي تكتل أمريكي للإعلام والترفيه يملك الحقوق التجارية للفورمولا 1   مقابل إبقاء سباق جائزة السعودية الكبرى ضمن جدول سباقات البطولة.
تداول في طور النضج: الملكية والسيولة وشروط العمق الحقيقي
تداول في طور النضج: الملكية والسيولة وشروط العمق الحقيقي
تحولات هيكلية شهدها سوق المال السعودي تستحق تقييماً خاصاً. ففي الفترة بين عامي 2014 و2024، سجّلت السوق الرئيسية لـ «تداول» (تاسي) 91 طرحاً عاماً أولياً بقيمة إجمالية بلغت نحو 65 مليار دولار، وذلك إضافة إلى الطرح الثانوي لشركة أرامكو السعودية الذي بلغ نحو 11.2 مليار دولار والذي اكتمل في يونيو 2024.
Facebook
Twitter
LinkedIn
Instagram
YouTube
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة