|
يشهد نشاط الأفراد من المستثمرين في السوق المالية السعودية توسعا لافتا، لكن الأرقام المتداولة تستوجب قراءة أكثر دقة وتعمقا. فالسؤال الجوهري الذي يطرحه فريق أرقام انتليجنس لا يقتصر على كم عدد المستثمرين الجدد، بل يمتد إلى ما تقيسه هذه الأرقام فعلياً: هل تُحصي أشخاصاً دخلوا السوق للمرة الأولى، أم محافظ أُضيفت لمستثمرين موجودين أصلا، أم أن المستثمر الواحد قد يفتح حسابات متعددة لدى شركات وساطة مختلفة، فيُحتسب كل حساب رقما مستقلاً في الإحصاء، مما يُضخّم عدد المستثمرين الجدد دون أن يعكس دخول أشخاص جدد فعلا. فبنهاية عام 2025، بلغ عدد المستثمرين الأفراد المسجّلين في السوق السعودية 7.16 مليون مستثمر، في حين بلغ عدد المحافظ الفردية 14.57 مليون محفظة — أي ما يزيد على ضعف عدد المستثمرين. وهذا الفارق الواسع بين الرقمين يكشف ببساطة أن عدد المحافظ لا يعادل عدد المستثمرين الفعليين، وأن جزءاً من هذا النمو قد يعكس تعدد الحسابات لدى المستثمر الواحد، لا توسعاً حقيقياً في قاعدة المشاركين. وهذا التمييز ذو أهمية بالغة، إذ تتيح قواعد السوق للمستثمر الواحد أن يفتح أكثر من حساب لدى أكثر من شركة وساطة مرخصة، لذا فإن تعدّد خيارات الدخول إلى السوق لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازيا في عدد المستثمرين الجدد فعلا. ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل احتدام المنافسة بين شركات الوساطة الرقمية المرخصة من قبل هيئة السوق المالية، وتراجع تكاليف التداول بشكل لافت. فأعلنت شركة سهم كابيتال عن إتاحة التداول في السوق الرئيسية (تداول) دون عمولة وساطة مدى الحياة للمستخدمين، فيما أعلنت شركة دراية المالية إلغاء عمولة التداول أيضا على التداولات في تداول والسوق الثانوية نمو. لذا فإن النقاشات المتعلقة بنمو قاعدة المستثمرين الأفراد في السعودية تتعامل في الغالب مع رقم واحد كأنه يقول كل شيء، في حين أن هذا الرقم يجمع في داخله حالات مختلفة تماماً لا يصح قياسها بمقياس واحد. وهذا يعني أن النظام الرسمي نفسه يُفرّق بين شيئين لا ينبغي الخلط بينهما: الشخص من جهة، والحساب المفتوح باسمه من جهة أخرى. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين أربعة مفاهيم يتعامل معها كثيرون ممن يتابعون أخبار البورصة أول بأول على أنها شيء واحد كما نوضح في الانفوجراف التالي: ![]() فحين تقول الأخبار الصحفية ارتفع عدد المستثمرين، فهي في الغالب تعدّ الحسابات لا البشر. والفرق ليس تقنياً — بل هو فرق بين سؤالين مختلفين تماماً: هل السوق يستقطب ناساً جدداً، أم أن الناس الموجودين أصلاً يفتحون حسابات أكثر؟ الأول مؤشر على عمق المشاركة، والثاني مؤشر على انتشار المنصات. النمو في أدوات الوصول إلى السوق واضح وملموس، لكن الصورة الكاملة تتطلب قراءة موازية لمؤشرات جودة المشاركة لا حجمها فحسب. ومن الصعب تجاهل هذا الفارق عندما نحلل البيانات الموثقة. ففي نهاية 2024، بلغ عدد المستثمرين الأفراد في السوق السعودية 6.60 مليون مستثمر، مقابل 13.09 مليون محفظة فردية. وبنهاية 2025، ارتفع الرقمان معاً، غير أن المحافظ نمت بوتيرة أسرع، إذ ارتفع متوسط المحافظ لكل مستثمر من 1.98 إلى 2.04. هذا الرقم وحده لا يُثبت أن تعدد الحسابات هو المحرك الرئيسي، لكنه يكشف عن نمط واضح في البيانات العلنية: الحسابات تتمدد بوتيرة أسرع من الأشخاص. والفارق بين معدلين في عامين متتالين يؤكد ذلك. فبين نهاية 2024 ونهاية 2025، نما عدد المستثمرين الأفراد بنحو 8.4%، في حين نمت المحافظ الفردية بنحو 11.3%. الفارق ليس كبيراً بالأرقام المطلقة، لكنه ذو دلالة، فهو يوحي بأن جزءاً من النمو في عدد الأفراد يعكس تزايد نقاط دخول للسوق لدى مستثمرين قائمين بالفعل، لا دخول أشخاص جدد إلى السوق للمرة الأولى. والنمط ذاته يتكرر حتى داخل عام 2025 وحده. فبنهاية الربع الثالث، بلغ عدد المستثمرين 7.05 مليون، والمحافظ 14.29 مليون. وبنهاية العام، ارتفع الرقمان إلى 7.16 مليون مستثمر و14.57 مليون محفظة. أي أن المحافظ واصلت نموها بوتيرة أسرع من المستثمرين حتى على مدى أشهر معدودة، وهو ما يمنح هذا النمط مصداقية إضافية لا يمكن إغفالها، كما نوضح في الرسم البياني التالي: ![]() ومن المهم أن ندرك من خلال هذا التحليل أن البيانات المتاحة للعموم لا توضح معدلات ازدواجية الحسابات عبر شركات الوساطة المختلفة، ولا تُخبرنا بعدد مستخدمي المنصات الذين يدخلون السوق فعلاً للمرة الأولى. لذا فإن الأرقام الرئيسية تعكس توسعاً حقيقياً، لكنها لا تقول لنا من أين يأتي هذا التوسع تحديداً. وما يستحق التأمل هنا ليس فقط تراجع تكاليف التداول بل والغائها من قبل البعض، بل التحول الأعمق في بنية السوق ذاتها. فحين تتنافس شركات الوساطة على خفض العمولات إلى الصفر، وتتكاثر التطبيقات التي تجعل فتح الحساب أمراً لا يستغرق دقائق، يتغير سلوك المستثمر بصورة جوهرية: لم يعد مضطراً للاختيار بين منصة وأخرى، بل بات بإمكانه الاحتفاظ بحسابات متعددة في آنٍ واحد، واستخدام كل منصة لغرض مختلف، وهو سلوك لم يكن ممكناً أو مجدياً اقتصادياً حين كانت تكاليف التحول بين المنصات مرتفعة. ولعل أبلغ دليل على هذا النمط ما تكشفه بيانات التداول الإلكتروني لشركة سهم كابيتال، إذ ارتفعت حصتها من إجمالي قيمة التداول الإلكتروني من 1.21% في 2024 إلى 3.51% في 2025، فيما تضاعف تقريباً عدد صفقاتها الإلكترونية من 4.12 مليون إلى 8.19 مليون صفقة خلال العام ذاته، كما نوضح في الرسم البياني التالي. هذه الأرقام لا تُثبت بذاتها أن المستخدمين يحتفظون بحسابات متعددة، لكنها تقول شيئاً أهم: شركة وساطة رقمية حديثة استطاعت في غضون عام واحد أن تضاعف حضورها في السوق بهذا الحجم، مما يعني أن جزءاً من هذا النمو لا يأتي بالضرورة من مستثمرين جدد دخلوا السوق للمرة الأولى، بل قد يأتي من مستثمرين قائمين وجدوا في هذه المنصة الجديدة سبباً للتحول إليها أو إضافتها إلى محفظتهم الاستثمارية. وحين يصبح هذا الاحتمال ممكناً بتكلفة تقترب من الصفر، يتحول من مجرد فرضية نظرية إلى سلوك منطقي يصعب تجاهله عند قراءة أرقام النمو الظاهرية والإجمالية. ![]() 🎯 خاتمة
والاستنتاج الأهم الذي يخلص إليه هذا التحليل هو أن النمو في أعداد المستثمرين والحسابات لا يترجم تلقائياً إلى عمق في النشاط السوقي. فالسوق الناضج لا يُقاس فقط بعدد الحسابات المفتوحة، بل بمدى تحول هذه الحسابات إلى مشاركة فعلية ومتواصلة. وهذا بالضبط ما تؤكده أحدث البيانات المتاحة. ففي 2025، انخفضت إجمالي قيمة الأسهم المتداولة إلى 1,299.23 مليار ريال، مقارنة بـ1,862.33 مليار ريال في 2024، كما انخفض إجمالي عدد الصفقات إلى 119.03 مليون من 128.57 مليون. فزيادة عدد المستثمرين أو الحسابات لم تُفضِ تلقائياً إلى تعزيز النشاط في السوق ككل إذن. السوق المالية تشهد توسعاً حقيقياً في قاعدة المستثمرين الأفراد، غير أن الأرقام المتداولة تخلط بين ظاهرتين مختلفتين: دخول مستثمرين جدد من جهة، وتعدد حسابات المستثمرين القائمين لدى وسطاء مختلفين، من جهة أخرى. والفارق بين الظاهرتين ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر السؤال: هل يتعمق السوق أم يتوسع شكلياً فحسب؟ |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |