|
ℹ︎
المشكلة لم تعد أن الدفاع مكلف، بل أن بعض نماذج الدفاع أصبحت اقتصاديا أبطأ من التهديد نفسه. في الأسابيع الأخيرة، تغيّر شكل الحروب تغيّراً جذرياً. الدرون والصواريخ الرخيصة باتت قادرة على ضرب أهداف بالغة الأهمية، بينما تكلّفة اعتراضها طائلة. كشف الصراع الإيراني-الإسرائيلي-الأمريكي هذه المعادلة بصورة جليّة حين أطلقت إيران موجات ضخمة من الطائرات المسيّرة والصواريخ، فاضطرت دول في الخليج العربي على إنفاق مبالغ باهظة للدفاع عن أنفسها من العدوان الإيراني. السؤال الجوهري بات: هل ما تدفعه الدول على التسليح الدفاعي يشتري لها الردع الفعلي بكفاءة كافية؟ لا يعني هذا أن الطائرات الحربية والسفن وأنظمة الدفاع الجوي الكبرى قد انتهت أهميتها، فهي لا غنى عنها ولن تزول. بيد أنه بات من الصعب الادّعاء بأن هذه المنظومات وحدها هي الأمثل لمواجهة تهديدات اليوم الفعلية، لا سيما الدرون وصواريخ كروز والهجمات على البنية التحتية الحيوية. المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الدول إنفاقاً في العالم على التسليح، إذ رصد ميزانيتها لعام 2025 نحو 78 مليار دولار، تمثّل 21% من إجمالي الإنفاق الحكومي، أو ما يعادل 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية مهمة: هل يعكس توزيع هذا الإنفاق أولويات بيئة التهديدات المتغيرة بالشكل الأمثل؟ السؤال الجوهري، من الناحية الاقتصادية، لا يتعلق بحجم ما تنفقه المملكة على دفاعها، بل بالكيفية التي يُوزَّع بها هذا الإنفاق داخلياً. فميزانية دفاعية ضخمة لا تضمن بالضرورة ردعاً أمنياً أقوى، ما لم يذهب كل ريال فيها إلى الجهة التي تُحقق أعلى أثر استراتيجي فعلي. ولفهم هذا المنطق، يُفيد أن نتخيّل أي ميزانية دفاعية كسلة مقسّمة إلى محورين رئيسيين: الأول يغطي متطلبات التشغيل الجاري والاستدامة العملياتية اليومية، والثاني يُخصَّص للاستثمار في اقتناء منظومات متطورة وتطوير تقنيات جديدة. وتكشف الدراسات الأكاديمية المقارنة لدول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي أن هذا التوزيع الداخلي هو ما يحدد الأثر الاقتصادي والأمني الحقيقي لأي ميزانية دفاعية، أكثر بكثير مما يحدده رقمها الإجمالي. فالإنفاق على التشغيل الجاري —رغم ضرورته القصوى للحفاظ على الجاهزية العملياتية— يتجه في طبيعته نحو تلبية الاحتياجات الآنية والمتكررة، أكثر من توجّهه نحو بناء قدرات جديدة أو تطوير أصول استراتيجية قابلة للنمو والتوسّع مع مرور الوقت. أما الإنفاق على التقنيات والتجهيزات، فيُولّد في المقابل قدرات دفاعية دائمة، ويُحرّك التصنيع المحلي، ويُسهم في بناء خبرة هندسية وتقنية تتراكم عبر الزمن. باختصار: الريال المُنفَق على رواتب يُستهلك مرة واحدة، بينما الريال المُنفَق على منظومة تقنية يُنتج أثراً يمتد لسنوات. التوازن في توزيع الميزانية يظل مسألةً جوهرية في التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. فحين تستوعب متطلبات التشغيل الجارية حصة واسعة من الموارد المتاحة، قد يتقلص الهامش المخصص للاستثمار في تقنيات جديدة ومنظومات متطورة، مما يُقيّد القدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة التهديدات. وتجدر الإشارة إلى أن هذه ليست إشكالية سعودية بالضرورة، بل واجهت عدد من الاقتصادات الدفاعية الكبرى هذا التحدي بالفعل، إذ وجدت نفسها أمام ميزانيات متنامية من حيث الحجم، لكنها تحتاج إلى مزيد من المرونة في توجيه جزء منها نحو الاستثمار في قدرات المستقبل. ![]() وفي السياق السعودي تحديداً، يكتسب هذا المنطق أهمية مضاعفة. فالمنظومة الدفاعية للمملكة شُيِّدت تاريخياً حول منظومات مستوردة عالية التعقيد، تحمل معها ذيولاً تشغيلية مكلفة: عقود صيانة طويلة الأمد، وبرامج تدريب مرتفعة التكلفة، واعتماد على موردين أجانب بعينهم. هذه الترتيبات مفهومة ومنطقية في سياقها الاستراتيجي، وتعكس شراكات راسخة مع موردين دوليين من الطراز الأول. بيد أن تراكمها عبر عقود أفرز هيكلاً يعكس اعتمادا تاريخيا كبيرا على التشغيل والصيانة، ما يحدّ من مرونة إعادة التوجيه الموارد بسرعة نحو منظومات أحدث وأكثر توافقاً مع متطلبات الردع في البيئة الأمنية الراهنة ومن منظور الاقتصاد الكلي. لذا، فإن الأثر الاستراتيجي لا يرتبط فقط بحجم ما يُدفع، بل بنوعية ما يُبنى في مقابله. تاريخياً، ارتكز النظام الاقتصادي لقطاع الصناعات الدفاعية في المملكة على منظومات ضخمة مستوردة مرتفعة التكلفة: أساطيل جوية وعقود دعم وهياكل صيانة مرتبطة بشركات غربية عملاقة كبوينج بي أي ايه سيستمز ولوكهيد مارتن. هذه الشراكات ذات قيمة استراتيجية راسخة. غير أنها صُمّمت لبيئة تهديد سابقة تختلف في طبيعتها عن التهديدات الحالية، يهيمن عليها التفوق الجوي التقليدي لا أسراب الدرون الرخيصة. والنتيجة: أن جزء معتبر من الموارد يرتبط بالتزامات تشغيلية طويلة الأجل يمكن توجيهها نحو الأنظمة المرنة والمتطورة التي يتطلبها الميدان اليوم. ![]() 🔍 مراجعة في آليات الشراء الدفاعي ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية عن التكلفة المباشرة، وهو الأعباء المرتبطة بطبيعة العقود الدفاعية الكبرى. فالدراسات المتعلقة بالمشتريات الدفاعية الفرنسية تكشف أن أبرز المخاطر في هذا النوع من العقود ليست تقنية بالدرجة الأولى، بل تعاقدية: التأخر في التسليم، والتعديلات المتكررة على المواصفات، والاعتماد على مزوّد وحيد لا بديل عنه بسهولة. ويتجلى هذا الإشكال بوضوح حين نقارن بين منطقَين مختلفَين: برامج المنظومات الكبرى تسير وفق دورات حياة مطوّلة تمتد لسنوات، وتتطور بإيقاع بطيء يتناسب مع طبيعتها. في المقابل، تستلزم أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة تحديثات دورية متسارعة كل اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً، وفقا للتجربة الأوكرانية في مواجهات الطائرات المسيرة الإيرانية التي اعتمدت عليها روسيا، نظراً لاعتمادها الجوهري على البرمجيات والإلكترونيات التي تتقادم بسرعة أمام التطور المتسارع للتهديدات. وهنا تظهر فجوة منهجية تستدعي التطوير: فآليات الشراء التقليدية صُمِّمت لعالم تتغير فيه التهديدات ببطء، في حين أن التهديدات الجديدة المرتبطة بالطائرات المسيّرة تتجدد وتتطور بوتيرة لم تُصمَّم أساساً لمواكبة هذا الإيقاع السريع. ولذا فإن التوسع في برامج التصنيع المحلي القائمة وحده يحتاج إلى أن يُستكمل بإصلاحات موازية في آليات الشراء، بل يستدعي الأمر مراجعة شاملة لآليات الشراء ذاتها، بما يجعلها أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع متطلبات التهديدات المتغيرة. ![]() حقّقت المملكة العربية السعودية تقدماً ملموساً في مسار التوطين الدفاعي في إطار رؤية 2030. فوفقاً للهيئة العامة للصناعات العسكرية، ارتفعت نسبة المحتوى المحلي من نحو 4% عام 2018 إلى 24.89% بنهاية عام 2024 —وهو إنجاز جدير بالإشادة. غير أن مسيرة التوطين حتى الآن قد ارتكزت في جوهرها على بناء قدرات صناعية راسخة ضمن النموذج الكلاسيكي: خدمات صيانة وإصلاح متخصصة، وتجميع لمكونات بعض الطائرات الحربية والسفن بموجب اتفاقيات ترخيص من شركات أجنبية كبرى، ومشاريع مشتركة تنصبّ على منظومات عالية التعقيد ومحدودة الإنتاج. وهذه في مجملها إنجازات صناعية حقيقية تعكس تطوراً نوعياً ملموساً في البنية التصنيعية الوطنية.
🔦 الأولوية الاستراتيجية للمرحلة المقبلة ثمة مؤشرات واعدة تُعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة التطوير الدفاعي السعودي؛ إذ عرضت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) وشركاؤها في معرض آيدكس 2025 منظومة الدرون الدفاعية إيباريك ومنظومة الرادار الرصيد، فيما شهد معرض ورلد ديفنس شو 2026 إبرام اتفاقيات جديدة لتعزيز القدرات التقنية وتوسيع نطاق الشراكات. وهذه مؤشرات تعكس رؤية استراتيجية واضحة وقدرة على استشراف متطلبات المرحلة المقبلة لتطوير اقتصاديات قطاع الصناعات الدفاعية. وتستدعي هذه المرحلة إيلاء الأولوية لفئات بعينها من القدرات: منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة، وتقنيات الرادار والاستشعار والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وحماية البنية التحتية الحيوية. ويقوم هذا التوجه على ثلاثة أسباب متكاملة: أولها، أن هذه القدرات تتصل مباشرةً بطبيعة التهديدات التي تستوجب التحوط في بيئة أمنية متغيرة — لا سيما ما يتعلق بحماية البنية النفطية والمطارات وممرات الملاحة والمنشآت الاستراتيجية. وثانيها، أنها تنسجم مع دورات تطوير أسرع وتُفسح المجال لمشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يُعزز البنية الصناعية الوطنية من قاعدتها. وثالثها، أنها تُولّد امتدادات مدنية ذات قيمة في صناعات التقنية المتقدمة والأمن السيبراني، وهي أهداف تتقاطع تقاطعاً وثيقاً مع مستهدفات رؤية 2030 إذا نجحت المملكة في بناء قدرة محلية موثوقة في هذا المجال —يشمل الكشف والاعتراض وتكامل البرمجيات والتحديث الدوري السريع— فإن سامي، بما تحظى به من شراكات مع القطاع الخاص ودعم صندوق الاستثمارات العامة، تقف في موقع مثالي لتصبح المورّد الصناعي الخليجي لهذه الأنظمة. ولا يتوقف الأمر عند تحسين الأمن الوطني، بل يمتد إلى تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة وحصة سوقية إقليمية. الطلب في ارتفاع مثبت، والفرصة لمن يتحرك أولاً. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |