|
على رفوف السوبرماركت صنفان من المنتجات يتجاوران دائما: الأول يحمل علامة تجارية معروفة، والثاني يحمل اسم المتجر نفسه بثمن أقل. الفارق بينهما ليس مجرد تفضيل استهلاكي، إنه لمن يحسب حساب كل ريال أو درهم، كخط دفاع أخير أمام ارتفاع الأسعار وقت الاضطرابات الاقتصادية العالمية أو الجيوسياسية. حين تندلع أزمة كالتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لا يقتصر الأثر على أسعار النفط. فمع تجاوز خام برنت مئة دولار للبرميل، وتعطّل الشحن عبر مضيق هرمز، ارتفعت معه أسعار الأسمدة كاليوريا والأمونيا بنسب تصل إلى 40%، وتتبعها تكاليف النقل والتغليف والمواد الخام. والنتيجة أن كلفة إنتاج كل ما على الرف في السوبرماركت ترتفع، سواء كان المنتج يحمل شعار شركة عالمية معروفة، أو يحمل اسم المتجر نفسه. وهنا يكمن جوهر المسألة بالنسبة للأسر محدودة الدخل في الخليج العربي والشرق الأوسط عموما. فهذه الأسر لا تتساءل: هل ارتفع سعر هذا المنتج؟ بل تتساءل: هل لا يزال البديل الأرخص أرخص فعلا؟ الأدبيات الاقتصادية تنظر إلى هذه الهوة السعرية بجدية؛ فهي ليست حادثة تجارية عرضية، بل مؤشر على مدى قدرة المستهلك البسيط على الصمود حين تعصف صدمات سلاسل الإمداد بالأسواق.
🔎
الفارق بين سعرين ليس صدفة الفارق بين سعر المنتج المعروف وسعر بديله في المتجر تحكمه أربعة عوامل: كلمة المتجر في التفاوض مع الموردين، وقدرة العلامة التجارية على إقناع المستهلك بأن سعرها الأعلى مبرر، وتكاليف الإنتاج والنقل والتغليف، ومستوى المنافسة بين المنتجات المتشابهة على الرف. ليست هذه العوامل ثابتة — فحين تتبدل واحدة منها، يتبدل الفارق السعري معها. لذا فصدمة سلاسل الإمداد لا ترفع الأسعار فحسب، بل تعيد رسم المسافة بين المنتج المعروف والبديل الأرخص، وهذه المسافة بالذات هي ما يحدد قدرة الأسرة محدودة الدخل على التكيّف. والأهم من ذلك أن وجود منتج المتجر على الرف لا يعني مجرد إضافة خيار رخيص؛ فهو يدفع العلامات التجارية الكبرى إلى مراجعة تسعيرها والتنافس على المستهلك بدلاً من الاطمئنان إلى مكانتها. الفارق السعري إذاً هيكلي لا صدفة — وحين تعصف صدمة الإمدادات بهذا التوازن، يجد من اعتاد على الخيار الأرخص أنه لم يعد أرخص بما يكفي. ![]() 🇦🇪 رف السوبرماركت في الإمارات.. مؤشر اقتصادي لا يكفي رصد مستوى الأسعار وحده، بل لا بد من قياس الفجوة بذاتها من خلال مؤشر الفجوة السعرية الذي يساوي: سعر منتج المتجر ÷ سعر العلامة التجارية المعروفة. ومن خلاله، نستطيع عمليا الإجابة على السؤال الجوهري في هذا التحليل: هل لا يزال منتج المتجر رخيصاً بما يكفي ليكون خياراً حقيقيا للأسر محدودة الدخل مقارنة بمنتج العلامة التجارية؟ وكلما اقترب الناتج من الصفر، اتسعت الفجوة وكان الخيار الأرخص أكثر جدوى للمستهلك. وهذا المؤشر أكثر دلالة من مجرد حساب الفارق بعملة مثل الدرهم الإماراتي. وتُمثّل الإمارات حالةً دراسية مناسبة لهذا التحليل، لأنها تجمع بين اعتماد كبير على استيراد الغذاء ومنظومة تجزئة حديثة ومتطورة، تتجاور فيها منتجات المتاجر والعلامات التجارية على الرف ذاته، ما يجعل الفجوة بينها قابلة للقياس المباشر. وقع الاختيار في هذا التحليل على ثلاث سلع أساسية: دقيق القمح المرتبط ارتباطا وثيقا بأسعار القمح المستورد، وزيت الطهي الحساس لتكاليف المواد الخام والشحن والطاقة، والأرز الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على الاستيراد وتتوفر له مقارنات واضحة بين منتجات المتاجر والعلامات المعروفة على أرفف السوبرماركت. فإذا ارتفع سعر المنتج المعروف من 28 درهماً إلى 34، وارتفع منتج المتجر من 16 إلى 22، يبقى الفارق المطلق 12 درهماً كما هو — لكن المؤشر يتحرك من 0.57 إلى 0.65 أي، الخيار الأرخص لا يزال موجودا على الرف وأرخص، لكن بهامش أصغر. وبالنظر إلى الأسعار الراهنة في كارفور الإمارات، يتبيّن أن هذا الهامش يتفاوت تفاوتاً حاداً بين السلع الثلاث. ففي الدقيق، يبلغ سعر كيلوغرام دقيق كارفور 4.99 درهماً مقابل 5.49 درهماً لكيلوغرام دقيق البيكر، ما يعني مؤشراً يبلغ 0.91 وخصماً لا يتجاوز 9%. أما زيت الطهي، فزيت كارفور بحجم 1.5 لتر بـ21.29 درهماً مقابل 22.79 درهماً لزيت عافية، أي مؤشر 0.93 وخصم لا يكاد يُذكر بنسبة 6.6% فقط. في المقابل، لا يزال الأرز يتيح هامشاً أوسع: خمسة كيلوغرامات من أرز كارفور بـ29.99 درهماً مقابل 39.99 درهماً لأرز تيلدا الهندي بالحجم ذاته، أي مؤشر 0.75 وخصم يبلغ نحو 25%. ![]() إذن، حين نقول إن منتج المتجر أرخص من العلامة التجارية المعروفة، فهذه الجملة صحيحة لكنها لا تكفي. الأهم هو بكم هو أرخص، وكم يتبقى من هذا الفارق حين ترتفع تكاليف الإنتاج والشحن بسبب صدمات سلاسل الإمداد. خذ مثال الدقيق وزيت الطهي في الإمارات: الفارق الحالي بين منتج المتجر والعلامة التجارية لا يتجاوز 7 إلى 9 بالمئة. هذا الفارق الضئيل يعني أن المتجر يبيع منتجه بثمن يكاد يساوي ثمن المنتج المعروف. فإذا ارتفعت تكلفة نقل البضاعة أو تغليفها أو استيراد موادها الخام — وهذا بالضبط ما تفعله صدمة الإمدادات — فإن المتجر سيضطر إلى رفع سعره. ولأن الهامش كان ضيقاً أصلاً، يكفي ارتفاع طفيف لأن يتلاشى الفارق تقريبا، فيجد المستهلك نفسه يدفع ثمنا متقاربا في الحالتين، وتسقط بذلك قدرته على اختيار الأرخص. الأرز في المقابل يقف في موضع أكثر أمانا من الصدمة السعرية، إذ يبلغ الفارق فيه نحو 25 بالمئة — وهو هامش يتحمل قدراً من الارتفاع قبل أن يشعر المستهلك بأن الخيار البديل فقد جدواه الاقتصادية. وهنا يتضح لماذا لا يكفي سؤال هل ترتفع الأسعار؟ — فالسؤال الأدق هو: في أي السلع باتت الفجوة السعرية بين المنتجين هشة بما يكفي لتختفي عند أول صدمة؟ وما الذي يمكن للدولة أن تفعله للحفاظ عليها تيسيرا على الأسر محدودي الدخل.
🔦 ليس الجميع سواء عندما تضيق الفجوة
حين تتقلص المسافة بين سعر المنتج المعروف وسعر بديله في المتجر، لا يشعر بهذا التحول كل المستهلكين بالطريقة ذاتها. من يعاني حقاً هو من ينفق نسبة كبيرة من دخله على الغذاء أصلا. لهذه الأسر، اختيار المنتج الأرخص ليس مسألة تفضيل أو ترشيد، بل هو ما يجعل الميزانية تصمد حتى نهاية الشهر. فإذا تآكل الفارق وضاق الخصم، ضاق معه هامش المناورة.
ولهذا فالفجوة السعرية ليست مجرد رقم على الرف — إنها مقياس لقدرة الأسرة على الصمود. فحين تتآكل ميزة منتج المتجر، يجد محدودو الدخل أنفسهم أمام خيار واحد لا يريدونه: إما دفع أكثر مما يستطيعون، أو شراء أقل مما يحتاجون. والتقليص في الغذاء الأساسي لا يوزع أثره بالتساوي — بل يقع بكامل ثقله على من لا يملك بديلا. وفي الإمارات، تُظهر دراسات استرشادية أن ارتفاع أسعار الغذاء المستورد لا يمس شرائح المجتمع بالقدر ذاته؛ إذ تتحمل الأسر الأقل دخلاً من أثره ما يزيد على ثلاثة أضعاف ما تتحمله الأسر الأعلى دخلاً. وهذا يعني أن تضييق الفجوة في سلع كالدقيق وزيت الطهي والأرز لا يُقرأ بوصفه تغيرا في أسعار التجزئة فحسب، بل بوصفه ضغطاً مباشرا على دخل الأسر التي لا تملك ترف الاختيار. ![]()
ℹ︎
ملاحظة منهجية
البيانات الواردة في هذا الرسم البياني مأخوذة من ورقة بحثية للبنك الدولي، ولا تعكس الأوضاع الراهنة في الإمارات فيما يتعلق بمداخيل الأسر ومدى تأثرها بالفارق بين سعر المنتجين محل الدراسة المقارنة في هذا التحليل الذي كُتب لأغراض معرفية، كما أنه لا تتوفر حتى الآن بيانات تفصيلية محدّثة حول توزيع الدخل بين الأسر. والهدف من استخدامها هنا هو تأطير مبدأ اقتصادي موثّق فيما يتعلق بمؤشر الفجوة السعرية. ⁉️ التدخل الحكومي الناجع يبدأ بالسؤال الصحيح
في خضم الاضطراب الجيوسياسي الراهن والهدنة الهشة بين أطراف النزاع، لم يعد السؤال المطروح على حكومات المنطقة هو: هل نتدخل؟ بل أصبح: كيف نتدخل بأقل تكلفة ودون أن نُحدث خللاً في آليات السوق؟ وللإجابة على هذا السؤال، لا بد من مقياس واضح: كم يكلّف الحفاظ على كل نقطة مئوية من الفارق السعري بين منتج المتجر والعلامة التجارية طوال فترة الصدمة؟ أمام أي حكومة عادة ثلاثة خيارات في الوضع الراهن: تجميد الأسعار بقرار إداري، أو دعم الأسر الأكثر تضررا، أو التدخل في مرحلة الاستيراد والتوزيع بما يُخفف على تجار التجزئة ضغط التكاليف، ويمنحهم قدرة أكبر على الإبقاء على أسعار منتجاتهم الخاصة دون رفعها. المشكلة أن الأسواق لا تنتظر. فحين ترتفع تكاليف الشحن والاستيراد، يرتفع سعر المنتج الرف في غضون ساعات، بينما تحتاج إجراءات الدعم الحكومي أيام بل وأسابيع حتى تصل إلى المستهلك. وهذا الفارق في السرعة هو ما يحدد إن كانت السياسة ستحمي الفجوة السعرية في الوقت المناسب، أم ستصل بعد فوات الأوان. ففي حالة الإمارات، لا جدوى مثلا من اللجوء إلى خفض الرسوم الجمركية على الدقيق والأرز كأداة رئيسية للتدخل، لسبب بسيط، وهو أن هذه الرسوم صفرية أصلاً. وهذا يعني أن الضغط الحقيقي على الأسعار لا يأتي من الجمارك، بل من تكاليف المناولة والشحن والتخليص وما يرافقها من إجراءات لوجستية. وعليه، فبدلاً من أن تسعى حكومات الخليج العربي إلى التحكم في أسعار الغذاء عموماً — وهو مسار مكلف وعسير التطبيق — يكون التدخل أجدى حين يستهدف ما يرفع فعلياً تكلفة إيصال البضاعة إلى الرف: من بطء التخليص الجمركي، إلى ارتفاع رسوم الموانئ، إلى اختناقات سلاسل التوريد. فهذه هي العوامل التي تضغط على تكلفة منتجات المتاجر أولاً، وتُضيّق الفجوة السعرية لصالح المستهلك. وقد قدّمت دبي نموذجاً عملياً على ذلك إبان جائحة كوفيد، حين أتاحت جمارك دبي مساراً مُعجَّلاً لتخليص الغذاء والمستلزمات الطبية مع تقليص إجراءات الفحص إلى أدناها. مثل هذا الإجراء لا يُكلّف تجار التجزئة شيئاً إضافياً، ولا يُلزمهم بالبيع بأقل من تكلفتهم — بل يُزيح عنهم جزءاً من أعباء الاستيراد، فيجدون أمامهم هامشاً أوسع للإبقاء على أسعار منتجاتهم الخاصة دون رفعها. غير أن أي تدخل من هذا القبيل يحتاج إلى ضوابط واضحة: أن يقتصر على سلع أساسية محددة، وأن يرتبط بمدة الصدمة لا أن يتحول إلى سياسة دائمة، وأن يشمل عدة سلاسل تجارية لا واحدة بعينها، حتى لا يتحول دعم صُمِّم لحماية الأسر إلى امتياز تجاري لصالح متجر كبير دون آخر. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |