|
في ظل الأجواء شديدة الحراراة أثناء الصيف في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ودول الشرق الأوسط، تقود ثورة تقنية صينية هادئة رحلة صعود السيارات الكهربائية في أسواق المنطقة. تأتي في طليعة هذا التحول تقنية بطاريات فوسفات حديد الليثيوم (LFP)، وهي تركيبة كيميائية منحت الشركات الصينية المصنعة للسيارات الكهربائية ميزة حاسمة مكنتها من الحصول على حصة كبيرة في سوق بيع السيارات الحديثة. ينفرد تحليلنا في أرقام ويك اند بإبراز هذا العامل التقني تحديدا الذي يقف وراء الهيمنة الصينية على سوق المركبات الكهربائية في منطقتنا، لا سيما في دولة مثل الإمارات، حيث يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة في الصيف 50 درجة مئوية. تتمتع تلك البطاريات التي تخصصت الصين في تصنيعها عادةً بعمر دورات أطول مقارنةً ببطاريات الليثيوم الأخرى وبطاريات أكسيد النيكل والمنغنيز والكوبالت، إذ يمكنها تحمل عدد أكبر من دورات الشحن والتفريغ دون أن تتأثر كفاءتها. كما أنها توفر استقرارًا حراريًا وكيميائيًا فائقًا، مما يقلّل من خطر الانفلات الحراري، وهو أحد أبرز المخاوف المتعلقة بسلامة البطاريات عموما، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى نشوب حرائق أو حدوث انفجارات. لقد استغلت شركات صناعة السيارات الصينية هذا التفوق التكنولوجي والعلمي، والذي اكتشفه بحثنا المستند إلى هذه الدراسة العلمية، للاستحواذ على شريحة سوقية غفل عنها المنافسون التقليديون المنشغلون بإنتاج طرازات جديدة من سيارات تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، حيث طرحت سيارات كهربائية مزودة بأنظمة دفع موثوقة وطويلة الأمد مصممة خصيصاً لتحمل قسوة المناخ الحار خلال فترة الصيف بالشرق الأوسط. وتُشير التوقعات إلى أن العلامات التجارية الصينية للسيارات، وخاصة الكهربائية، ستستحوذ على حصة سوقية هائلة تبلغ 34% في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بحلول 2030، مسجلةً قفزةً كبيرة من 10% فقط في 2024. وفي العام الماضي، شكل إجمالي واردات المركبات الكهربائية 10% من قيمة واردات السيارات إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي شهدت سباقاً محموماً بين شركتي بي واي دي (BYD) الصينية و تسلا (Tesla) الأمريكية، وفقاً لبيانات حصلت عليها وكالة بلومبرج. كما شهد العام الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في الوعي والاهتمام بالعلامات التجارية الصينية للمركبات الكهربائية في المملكة العربية السعودية. ويحتل هذا الوعي المتزايد أهمية كبيرة في سوق لا تزال في مراحلها المبكرة من تبني المركبات الكهربائية، رغم تطورها السريع، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى سلوك المستهلك التقليدي. انقر هنا لقراءة تحليلنا المتعمق للتحديات التي تواجه شراء السيارات الكهربائية في المملكة العربية السعودية من إصدارنا في الأول من نوفمبر 2024. وفي استطلاع أُجري عام 2024، كانت علامة بي واي دي الأكثر شهرة بين العلامات التجارية الصينية للمركبات الكهربائية لدى المستهلكين في المملكة العربية السعودية، حيث أبدى 47% من المشاركين، الذين تراوحت خياراتهم بين على الأرجح أو بدرجة معقولة، استعدادهم لشراء سيارة كهربائية. ومن بين هؤلاء المستهلكين، كان 93% على دراية بعلامة تجارية صينية واحدة على الأقل للمركبات الكهربائية. وفي زيارة حديثة لفريق أرقام ويك إند إلى مصر، الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم العربي بما يزيد على مئة مليون نسمة، كان من اللافت والمثير للانتباه مشاهدة أعداد كبيرة من السيارات الصينية، بما فيها الكهربائية، تسير في شوارع العاصمة القاهرة. ولم يكن انتشار السيارات الكهربائية الواسع في القاهرة هو ما لفت انتباهنا وحسب، بل كونها تحمل شعارات مكتوبة بالصينية (الماندرين) بشكل بارز، بدلاً من الاكتفاء بالحروف الإنجليزية كما كان شائعاُ خلال العقد الماضي. هذا المشهد يعكس بوضوح تنامي ثقة الصين بنفسها وجرأتها في الأسواق العالمية. كما يشير إلى أنّ الأمر لا يقتصر على خطوة استراتيحية لتعزيز هويات العلامات التجارية فحسب، بل يتعداه إلى التأكيد على قدرتها التنافسية في أسواق الشرق الأوسط التي طالما هيمنت عليها الشركات اليابانية والألمانية. ورغم تبني السوق المصرية المحدود للسيارات الكهربائية، إلا أن شركات صناعة السيارات الصينية تستغل ميزتها التكنولوجية التنافسية لتوسيع نفوذها حتى في الأسواق التي ما زالت تفضل سيارات محركات الاحتراق الداخلي. على سبيل المثال، ارتفعت مبيعات السيارات الصينية بنسبة 33.6% خلال الفترة بين يناير ونوفمبر 2024 في مصر، حيث حققت علامات تجارية مثل شيري (Cherry) و إم جي (MG) و بي واي دي (BYD) مراكز مرموقة ضمن أفضل 10 علامات تجارية للسيارات مبيعاً، وفقاً لبيانات من مجلس معلومات سوق السيارات (AMIC). وفي يناير 2025 وحده، تصدرت السيارات الصينية مبيعات سيارات الركاب بإجمالي بلغ 3,301 سيارة، وهي زيادة كبيرة مقارنةً بنحو 1,721 سيارة في يناير 2024.
💸 ارتفاع تكاليف الوقود مقارنةً بالكهرباء المدعومة في دول الخليج شهدت أسعار الوقود في الدول المنتجة للنفط، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات زيادات كبيرة بسبب مزيج من عوامل السوق العالمية والتغييرات في السياسات المحلية. تقليدياً، كانت دول مثل المملكة العربية السعودية تدعم أسعار البنزين لإبقائها منخفضة للمستهلكين، مستغلةً احتياطياتها النفطية الوفيرة. مع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحركاً استراتيجياً لخفض الدعم الحكومي على المشتقات النفطية مثل البنزين. ويهدف هذا إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط وإدارة الميزانيات المالية بحكمة أكبر في ظل تقلب أسعار النفط العالمية. إن التأثير المباشر لهذا التحول هو ارتفاع تكلفة تزويد المركبات بالوقود. على سبيل المثال، يمكن أن تتراوح التكلفة الشهرية للوقود لمالك سيارة في الإمارات العربية المتحدة بين 500 وأكثر من ألفي درهم إماراتي، اعتماداً على عادات القيادة والمسافة المقطوعة وكفاءة استهلاك الوقود في السيارة. ووفقاً لأحدث أسعار الوقود وقت كتابة هذا التحليل، قد ينفق شخص يقود سيارته حوالي 60 كيلومتراً يومياً ما بين 500 و600 درهم شهرياً، في حين قد ينفق سائق يقطع 100 كيلومتر يومياً ألف درهم تقريباً أو أكثر، إذا كان سعر لتر الوقود يتراوح بين 2.7 درهم (بنزين ممتاز 98) و2.6 درهم (ديزل).(إذا أخذنا في الاعتبار سيارة حديثة موفرة للبنزين) لكن بالمقارنة مع أسعار الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن أسعار الكهرباء تحظى اليوم بدعم حكومي كبير، لذا يدفع المستهلكون أسعاراً أقل بكثير من التكلفة الفعلية للإنتاج. كما يساهم صعود الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء بشكل كبير في خفض أسعار الكهرباء للمستهلكين. ![]() كشف استطلاع أكاديمي أُجري عام 2024 في دول مجلس التعاون الخليجي أن 50% تقريباً من إجمالي استهلاك الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي هو استهلاك سكني، مما يعني أن حصة كبيرة من الطاقة المنتجة تُستخدم مباشرة من قبل الأسر لدعم أنشطة مثل التبريد والتدفئة والإضاءة وتشغيل الأجهزة المنزلية. وعلاوة على ذلك، يمثل توفير أسعار كهرباء منخفضة على المستوى السكني حافزاً إضافياً للمواطنين لتركيب نقاط شحن للمركبات الكهربائية في منازلهم. وهذا لا يدعم تبني السيارات الكهربائية فحسب، بل يمكّن الأسر أيضاً من تحقيق وفورات شهرية كبيرة في تكاليف وقود السيارات من خلال التحول من سياراتهم التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي التقليدية إلى التنقل الكهربائي، بشرط تعديل سلوك القيادة الخاص بهم وفقاً لذلك.
🔎 تحول الصين التكتيكي وتأثير "تسلا" أظهرت الصين بصيرة استراتيجية في صناعة السيارات من خلال إدراكها منذ زمن لحدود التنافس المباشر مع شركات السيارات الأمريكية والألمانية واليابانية المخضرمة في تقنية محركات الاحتراق الداخلي. فبدلاً من الانخراط في سباق يستنزف الموارد للحاق بركب الابتكار في مضمار محركات الاحتراق الداخلي، اختارت الصين منذ 2007 التركيز على المركبات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات. كما تبنت استراتيجية دعم ذكية لتسريع نمو منظومة المركبات الكهربائية. فبدلاً من قصر الدعم على الشركات المحلية فقط، وسعت الصين نطاق الحوافز المالية لتشمل جميع اللاعبين في سوق السيارات الكهربائية، بما في ذلك شركات صناعة السيارات الأجنبية ومنافستها الرئيسية تسلا. ومن خلال دمج الشركات الأجنبية في المنظومة المدعومة، أصبحت هذه الشركات منخرطة تماماً اقتصادياً وتشغيلياً في البنية التحتية لسوق المركبات الكهربائية في الصين، ما جعل الخروج منه أمراً مكلفاً وغير جذاب بالنسبة لها. ويُجسّد البناء السريع والتشغيل الفوري لمصنع تسلا الضخم في شنغهاي عام 2019 الدور الهام الذي تلعبه الحكومات الصينية المحلية، متجاوزةً الحوافز المالية لجذب الاستثمار الأجنبي في قطاع المركبات الكهربائية. فقد قدمت الحكومات المحلية الصينية موافقات سريعة وإجراءات إدارية مبسطة، ودعماً ذا أولوية لتجاوز التأخيرات البيروقراطية التي تُصادفها الشركات عادةً في مشاريع التصنيع. ![]() ووفقاً لورقة أكاديمية نشرت العام الماضي بعنوان: تحليل القدرة التنافسية المتنامية للصين في صناعة السيارات، فإن تأثير حبس البائع هذا ضمن التعاون المستمر ونقل التقنية وتوسع السوق داخل الصين. ومن خلال إنشاء منظومة شاملة وموجهة بالدعم، لم تُسرّع الصين التنمية الصناعية المحلية فحسب؛ بل وضعت نفسها أيضاً كلاعب لا غنى عنه في سوق المركبات الكهربائية العالمية. يبرهن ذلك على فهم دقيق لديناميكيات السوق والعلاقات الدولية، واستخدام الدعم ليس فقط كمعونة مالية، بل كأداة استراتيجية لفرض هيمنة صناعية طويلة الأمد. ومن عام 2009 إلى 2022، ضخت الحكومة الصينية أكثر من 200 مليار يوان (29 مليار دولار) في إعانات الدعم والإعفاءات الضريبية ذات الصلة. ورغم انتهاء سياسة الدعم رسمياً في أواخر 2022، واستبدالها بنظام أكثر توجهاً نحو السوق يُطلق عليه الائتمانات المزدوجة، إلا أنها حققت بالفعل تأثيرها المنشود من خلال بيع أكثر من 6 ملايين سيارة كهربائية في الصين في 2024، والتي شكلت أكثر من نصف مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |