|
على الرغم من امتلاك المملكة العربية السعودية لموارد مالية هائلة وعقدها شراكات استراتيجية مع شركات عالمية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنية، إلا أن هذه الأصول وحدها لا تكفي لضمان مكانة مستقلة في عالم الذكاء الاصطناعي. يمكن للمملكة العربية السعودية أن تكون، في المقام الأول، مركزاً استراتيجياً لتطبيق وتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي المطورة أمريكياً أو صينياً، لكن بناء القدرات المحلية الأصيلة يظل أمراً ضرورياً. فبينما تستضيف المملكة بنية تحتية مادية متقدمة، إلا أنها لا تتحكم في المزايا الاستراتيجية أو الاقتصادية للقطاعات بالغة الأهمية في سلسلة القيمة، بما في ذلك البحث والتطوير وصنع القرار الاستراتيجي والتحكم في الملكية الفكرية، والتي قد تظل خارج حدود المملكة. فغالباً ما تُقدم شركات التقنية الأمريكية والصينية الخبرة والكفاءات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحسينها في الخارج، مما يعني فعلياً تصدير رأس المال البشري المتخصص في الذكاء الاصطناعي إلى المملكة. يُعد المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي (Global AI Index) أول مؤشر يقارن الدول بناءً على مستوى استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي ومدى ابتكارها وتطبيقها لتقنياته. ومن بين ركائزه العشرة الأساسية، تبرز الكفاءات كعنصر محوري يركز على توافر الأشخاص المؤهلين لتقديم حلول الذكاء الاصطناعي. في هذا الإطار، تحتل المملكة العربية السعودية مكانةً متقدمة في الترتيب العام، حيث جاءت في المرتبة 14 من أصل 83 دولة، لكنها حلت في المرتبة 60 في فئة الكفاءات، وفقاً لأحدث تصنيف نُشر في سبتمبر 2024. ![]() بالفعل، تُركز رؤية السعودية 2030 بشكل كبير على تطوير رأس المال البشري كركيزة أساسية لتحولها الاقتصادي، إدراكاً منها بأن القوى العاملة الماهرة والمنخرطة في جميع المجالات ضرورة لتحقيق النمو المستدام. وقد عززت الإصلاحات المُنَّفَذَة دور القطاع الخاص كمنشيء رئيسي للوظائف على نحو لافت. فارتفع عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص من 1.7 مليون موظف إلى 2.4 مليون موظف، بين عامي 2020 و2024، بنسبة نمو بلغت 41% تقريباً. ![]() يُصاحب هذا التوسع نمو في الأجور وزيادة في الفرص المتاحة للمرأة، مما يُشير إلى سوق عمل أكثر شمولية وديناميكية. وبالنظر إلى هذه التوجهات الإيجابية، يُوصَى بتوسيع نطاق هذا التركيز على إثراء رأس المال البشري ليشمل مجال الذكاء الاصطناعي بشكل كامل.
🇸🇦 إعادة تموضع مركز الذكاء الاصطناعي في الدمام في غياب مجموعة كافية من الكفاءات المحلية الماهرة، ستعتمد المملكة العربية السعودية بشكل كبير على الخبرات الأجنبية لتطوير وصيانة أنظمة وبنية الذكاء الاصطناعي. لنأخذ الاتفاقيات السعودية الأمريكية الأخيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي مثالاً، حيث تعمل المملكة على إنشاء أحد أكثر مراكز الذكاء الاصطناعي تطوراً في العالم بمدينة الدمام، قوامه حاسوب فائق مدعوم بنحو 18 ألف وحدة معالجة رسوميات من نوع بلاكويل (Blackwell) من إنفيديا (Nvidia)، بالإضافة إلى وحدات معالجة مركزية للخوادم من كوالكوم (Qualcomm). يُعد هذا المشروع الضخم ثمرة تعاون بقيمة 10 مليارات دولار مع شركة أدفانسيد ميكروديفايسز (Advanced Micro Devices)، وشراكة بقيمة 10 مليارات دولار أخرى مع جوجل كلاود (Google Cloud). لكن حتى مع وجود بنية تحتية متطورة، دون الاستناد إلى مجموعة قوية من الكفاءات المحلية في الذكاء الاصطناعي والخبرة البحثية، قد يعمل مركز الدمام بشكل أساسي كمركز للنشر والتشغيل بدلاً من كونه مركزاً للابتكار لشركات مثل إنفيديا، وغيرها من الشركات الأمريكية المشاركة في هذا المشروع الضخم. يدفع هذا الطلب المرتفع على الرقائق الدقيقة الأمريكية نمو مبيعات وأرباح هذه الشركات وهيمنتها على السوق، مما يُعزز ريادة الولايات المتحدة في قطاعي أجهزة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. من خلال دمج بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، تُرسخ شركات التقنية الأمريكية منتجاتها ومنصاتها وأنظمتها عالمياً، مما يعزز ولاء العملاء ويُمَكٍّنها من جمع بيانات قيمة ويوسع نطاق تواجدها في جميع أنحاء العالم. بعد عامين من تحقيق عملاقة التقنية الأميركية إنجازاً تاريخياً كأول شركة لتصنيع الرقائق تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، حققت إنفيديا إنجازاً آخر في 9 يوليو 2025 حينما تربعت على قمة قطاع التقنية لتصبح الأولى تاريخياً من حيث القيمة السوقية بإجمالي 4 تريليونات دولار، متجاوزةً بذلك عمالقة التقنية الفائقة الآخرين مثل مايكروسوفت (Microsoft) و أبل (Apple). ![]() بالتالي، سيُشغَّل الخبراء والشركات الأجنبية الأجهزة المتقدمة وخدمات الحوسبة السحابية ويقوموا على تطويرها، مما يحد من قدرة المملكة العربية السعودية على ابتكار تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحكم فيها ومواءمتها لقوانين البلاد. بل أكثر من ذلك، إذا اعتمد تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدارتها وتطويرها المستمر على خبراء أو شركات أجنبية، فستمتلك تلك الكيانات الأجنبية حقوق الملكية الفكرية لتطبيقات حيوية. في نهاية المطاف، ستعود إيرادات تطبيقات الذكاء الاصطناعي من البيانات والخدمات المدعومة بهذه البنية التحتية، بالنفع المادي على مزودي التقنية الأجانب (مثل إنفيديا و أدفانسيد ميكروديفايسز و جوجل كلاود). كما ستتدفق رسوم الترخيص ورسوم خدمات الحوسبة السحابية وعقود الصيانة والأرباح من المنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي، المطورة خارجياً، إلى الولايات المتحدة والاقتصادات الشريكة الأخرى، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تسرب اقتصادي كبير. 🔍 مفهوم التوجه الريادي يُعد مفهوم التوجه الريادي هو المحرك الأساسي لنمو شركات الذكاء الاصطناعي العالمية تلك، فهو يُمكّن الشركات من استباق تطوير منتجات جديدة ودخول أسواق غير مستكشفة وتعزيز الإبداع والابتكار باستمرار للحفاظ على ميزاتها التنافسية. على سبيل المثال، تُمكن البنية التحتية، التي طورتها شركة ميلانوكس (Mellanox) الناشئة، شركة إنفيديا من ربط رقائقها بحاسوب فائق للذكاء الاصطناعي، حيث كانت عملاقة التقنية قد استحوذت على ميلانوكس في 2019 مقابل 6.9 مليار دولار. كما تمكنت أبل من ريادة سوق الهواتف الذكية، وأحدثت تحولاً كبيراً في قطاع الاتصالات المتنقلة والوسائط الرقمية، ولا تزال تسلا (Tesla) رائدة في سوق السيارات الكهربائية، حيث تطور تقنية بطاريات مبتكرة وميزات قيادة ذاتية. بينما بدأت نتفليكس (Netflix) كخدمة لتأجير أقراص الفيديو الرقمية (DVD) عبرالبريد، لكنها أصبحت رائدة في مجال بث المحتوى الرقمي وإنتاج المحتوى الأصلي. أما شركة علي بابا (Alibaba) الصينية، فقد قدمت ابتكارات في قطاع التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية بمنصات مثل تاوباو (Taobao) و علي باي (Alipay)، ما خلق مساحات سوقية جديدة في قطاعي التجزئة عبر الإنترنت والتقنية المالية. كما طورت بايت دانس (ByteDance) الصينية تطبيق تيك توك (TikTok)، مُحدثةً ثورة في منصات التواصل الاجتماعي عالمياً بمحتوى مدعوم بالذكاء الاصطناعي. على غرار الولايات المتحدة والصين، يجب أن تجعل المملكة العربية السعودية التوجه الريادي في صميم استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. وإذا ألقينا نظرة سريعة على الميزانية السعودية لعام 2024، نجد أنها خصصت 195 مليار ريال سعودي للتعليم، ليحتل المرتبة الرابعة كأكبر مخصص بعد القطاع العسكري (269 مليار ريال) والبنود العامة (216 مليار ريال) والصحة والتنمية الاجتماعية (214 مليار ريال). يُسلط هذا الاستثمار الكبير الضوء على إدراك الحكومة لأهمية التعليم كأولوية استراتيجية، وإن كان يأتي بعد قطاعي الدفاع والتنمية الاجتماعي. خلاصة القول، يتعين على المملكة العربية السعودية إعطاء الأولوية لبناء قاعدة قوية من الكفاءات المحلية ودعم مجتمع بحثي مزدهر في مجال الذكاء الاصطناعي لتحقيق طموحها في أن تصبح دولة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. كما ينبغي أن تُركز السياسات الاستراتيجية على رعاية أنظمة الابتكار المحلية وتحفيز خلق المعرفة والاحتفاظ بالملكية الفكرية داخل المملكة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |