|
|
|
تمتاز البيئة الاستثمارية في سريلانكا بتركيزها المتزايد على استقطاب استثمارات كبرى من رؤوس الأموال الخاصة وتوجيه تلك الاستثمارات إلى المنطقة الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة "بورت سيتي كولومبو". استطاعت أربع شركات فقط الحصول على الموافقات اللازمة لضخ استثمارات بقيمة 1.4 مليار دولار تقريبًا في المنطقة الاستثمارية. يتزامن ذلك مع وجود اهتمام كبير من جانب أكثر من 100 مستثمر آخر ينتظرون الحصول على الموافقة، مما يشير إلى بروز توجه صريح نحو المشاريع الضخمة عالية التأثير. يهدف هذا النهج إلى ترسيخ مكانة منطقة بورت سيتي كولومبو كمنطقة مركزية واستراتيجية للأعمال التجارية البحرية، مما يعزز من تركيز الحكومة على جذب استثمارات من شأنها تنمية القطاع الخاص عبر إقامة شراكات عالية القيمة. تُقام المنطقة الاقتصادية قيد الإنشاء هذه على أرض مُستصلحة من المحيط، وتطرح تلك المنطقة عددًا من الحوافز الاستثمارية، مثل: الإعفاء من ضرائب الشركات بنسبة 0%، وإعفاء السلع الرأسمالية من الجمارك، وتوفير بنية أساسية رقمية متطورة ومصممة بعناية لإنشاء بيئة ملائمة للأعمال. على الرغم من أن ارتفاع مستوى انتقائية الاستثمارات والحوافر الضريبية الجذابة قد تبدو بمثابة فرصة ذهبية للشركات الكبيرة والمستثمرين السعوديين البارزين في المملكة، إلا أنه من الضروري إمعان النظر في المشهد الاستثماري في سريلانكا بقدر من التحليل النقدي. تستتر وراء هذا المشروع الساحلي الضخم مجموعة من التعقيدات التنظيمية الناجمة عن التردد السياسي، والمنافسة الإقليمية، والتصارع الجيوسياسي بين اثنتين من كبرى القوى الاقتصادية في العالم، إضافة إلى مخاطر تغير المناخ. تتحول تلك العوامل إلى مخاطر يتعين على المستثمرين السعوديين دراستها بعناية، لأنها قد تؤثر على درجة جدوى الاستثمارات ومستوى نجاحها على المدى الطويل في المنطقة.
🔍 تأثُر القدرة التنافسية للبلد داخل السوق الإقليمي في حالة اتخاذ القرار المحتمل بتقليص مدة الإعفاء الضريبي للشركات من 25 سنة إلى 12 سنة فقط، قد يكون لذلك تأثيرات وخيمة على جهود جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فغالبًا ما يلعب عنصر طول مدة الإعفاءات الضريبية دورًا تحفيزيًا حاسمًا للمستثمرين لتعويضهم عن تكاليف التأسيس الأولية وتقليل حدة المخاطر المرتبطة بالدخول إلى الأسواق الناشئة. قد يؤدي تقليص تلك الفترة إلى إضعاف جاذبية منطقة بورت سيتي عند مقارنتها بالمناطق المركزية المنافِسة على المستوى الإقليمي والدولي والتي لا تزال تطرح حوافز مالية جذابة متعددة الأبعاد. على سبيل المثال، تستمتع الشركات الأجنبية المُسجلة في المناطق الاقتصادية الهندية بإعفاء الأرباح من ضريبة الشركات بنسبة 100% خلال السنوات الخمس الأولى، وبنسبة 50% خلال السنوات الخمس التالية، وإعفاء بنسبة 50% على الأرباح المُعاد استثمارها لمدة خمس سنوات. يوفر هذا النظام المرحلي مزايا أكثر من نظام الإعفاء الضريبي الثابت لمدة 12 سنة الذي قد تطرحه منطقة بورت سيتي السريلانكية نتيجة الخضوع لمطالب صندوق النقد الدولي الذي لعب دورًا أساسيًا خلال السنوات الماضية في إنقاذ الدولة المثقلة بالديون. حيث يرى الصندوق أن منح مثل تلك الإعفاءات الضريبية للمستثمرين رفيعي المستوى يؤدي إلى خسارة اقتصاد الدولة لإيرادات من الممكن استغلالها في تحسين القطاعات الحيوية مثل: الرعاية الصحية والتعليم. ![]() تمتد فترة الإعفاء الضريبي في الهند إلى 15 سنة وتتضمن مراحل مختلفة، مما يحفز على استمرار الاستثمار وإعادة الاستثمار في الأرباح. يوفر هذا النظام المرحلي منافع للشركات ويشجعها على إعادة استثمار الأرباح، مما يؤدي إلى تحصيل مزايا مالية مستمرة جراء طرح هذا الإعفاء الضريبي محدد المدة. يسهم طرح إعفاء إضافي بنسبة 50% على الأرباح المعاد استثمارها في تشجيع الشركات على توسيع نطاق أعمالها داخل الهند بدلاً من الانتفاع فحسب من الإعفاء الضريبي الأولي ثم التخارج من الاستثمارات أو إبطاء نموها. تستند الهند إلى قوتها الاقتصادية في تلك المنافسة الإقليمية المحتدمة فمن المتوقع أن تحتل الهند المرتبة الثالثة في قائمة أقوى الاقتصادات العالمية بحلول العام المالي 2028، لتتفوق بذلك على اليابان وألمانيا. وفقًا للجدول الوارد أعلاه، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند 4.06 تريليون دولار في العام الماضي، بينما بلغ نظيره في سريلانكا 98.9 مليار دولار في نفس السنة. تحظى الهند بسوق محلي ضخم يوفر مزايا كبيرة وطلب واعد يوائم مطامح الشركات الأجنبية الراغبة في دخول هذا السوق. وهذا يضيف جاذبية أكبر للمناطق الاقتصادية الهندية تفوق مزايا الإعفاء الضريبي. كما يجذب أيضًا سوق الروبية الهندية أنظار المستثمرين الأجانب بسبب اتساع وتنامي حجم سوق المستهلكين (مدفوعًا بضخامة التعداد السكاني البالغ 1.4 مليار نسمة تقريبًا، فيما يبلغ نظيره في سريلانكا 23 مليون نسمة فقط).
🔦 استقرار الاقتصاد الكلي غير كافٍ لجذب المستثمرين أحرزت سريلانكا في الآونة الأخيرة تقدمًا اقتصاديًا يعبر عن قوة استقرار الاقتصاد الكلي لها، وذلك بعدما انخفض التضخم بشكل حاد محققًا قيمة سالبة (-1.7% على أساس سنوي في شهر نوفمبر) بعد أن وصل إلى أقصى معدلاته (50%) أثناء الأزمة المالية التي تعرضت لها الدولة خلال عام 2022، إضافةً إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% خلال عام 2024 (ليتجاوز بذلك تقديرات البنك الدولي). شهدت سريلانكا مستويات تضخم قياسية بعد تعرضها لأسوأ أزمة مالية مرت بها منذ عقود؛ متبوعةً بانخفاض الاحتياطي الدولاري لأدنى المستويات، الأمر الذي تسبب في تدهورها اقتصاديًا في عام 2022. ففي مايو 2022 ولأول مرة في تاريخها، عجزت سريلانكا عن سداد مدفوعات الفائدة المفروضة على ديونها الأجنبية. كما زادت واردات الدولة السنوية عن صادراتها بنحو 3 مليارات الدولار، مما تسبب في تقلص احتياطيات العملة الأجنبية من 7.6 مليار دولار في 2019 إلى 250 مليون دولار في2022. ومع كل ما سبق، غالبًا ما يتطلب أمر جذب المستثمرين المؤسسيين أكثر من مجرد تحقيق الاستقرار للاقتصاد الكلي، حيث يتطلب أيضًا توفير حوافز مالية (مثل: التخفيضات الضريبية، والتي من الممكن أن تنخفض لمستويات كبيرة في حالة إصدار البرلمان لتعديلات جديدة على مشروع قانون الضريبة) وتخفيف القيود التنظيمية والتكامل أو الإندماج بشكل تنافسي في سلاسل التوريدات الإقليمية الأوسع نطاقًا. ⚔️ التنافس الجيوسياسي بين الصين والهند علاوةً على الخطر المحتمل المتعلق بتعديل فترة الإعفاء الضريبي على الشركات وتقليصها من 25 سنة إلى 12 سنة لكبار المستثمرين الأجانب الجدد، فهناك صراع آخر محتدم بين الصين والهند للاستحواذ على إيرادات منطقة بورت سيتي الجديدة، وذلك بسبب الموقع الاستراتيجي لهذه الدولة الجزرية. تتولى الصين تمويل هذا المشروع بشكل رئيسي وفق إطار مبادرة الحزام والطريق بتمويلات تصل إلى 1.4 مليار دولار. حيث ستستحوذ الصين لمدة 99 سنة على سبيل الإيجار على 65% من مساحة الأرض المستصلحة والقابلة للبيع، والتي تبلغ مساحتها 178 هكتار (440 فدانًا). سارعت كذلك الهند إلى إبرام اتفاقية إنشاء وتشغيل ونقل ملكية مع هيئة موانئ سريلانكا للمشاركة معًا في تطوير ميناء الحاويات الدولي غرب مدينة الميناء الجديدة. يتبين بذلك أن المنافسة بين الصين والهند للاستحواذ على الأصول الأساسية لميناء سريلانكا تُضمر في طياتها صراعًا استراتيجيًا بين قوتين إقليميتين تسعى كل منهما إلى إحكام نفوذها على محور مركزي بحري شديد الأهمية يقع في إحدى أكثر طرق الشحن البحري ازدحامًا في العالم. عندما تحكم الصين والهند سيطرتهما على تلك المنطقة، ستقل فرص سائر الدول في تحقيق تأثير أو أرباح كثيرة من تطوير تلك المدينة، وبذلك تقل جاذبية الإيرادات المتوقعة منها وقد تنخفض بدرجة يعجز معها إيجاد مسوغات لضخ استثمارات كبيرة بها. 🌪️ قابلية التأثر بمخاطر تغير المناخ في الجزء الأخير من هذا التحليل، سنتناول الحديث عن مخاطر تغير المناخ وتأثيرها المحتمل على منطقة بورت سيتي المقرر الانتهاء من إنشائها في 2041. تواجه سريلانكا خطرًا كارثيًا صعبًا ناجمًا عن التغيرات المناخية، إذ تحتل المرتبة رقم 89 في قائمة الدول الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ والبالغ عددها 191. تواجه الدولة خطرًا كبيرا نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب التغيرات المناخية، مما قد يؤدي إلى غمر المياه للأراضي المنخفضة الساحلية، وتآكل الشواطئ، وتسرب المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية. تشير التقديرات إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 10 سم تقريبًا بحلول عام 2030 وارتفاعه بمقدار 21 سم بحلول عام 2060، وذلك وفقًا لدراسة أكاديمية نُشرت عام 2024 بعنوان براهين التغيرات المناخية - وتأثيراتها على سريلانكا. تحوم بالأفق مخاطر أساسية تتمثل في انغمار الأراضي بالمياه وتسرب المياه المالحة إلى ينابيع المياه العذبة وتزايد وتيرة هبوب العواصف، لتهدد بذلك تلك المخاطر المنازل، ومصادر مياه الشرب، والمحاصيل الزراعية، والثروة الحيوانية والسمكية، والبنية التحتية السياحية في بعض المناطق الساحلية الحيوية. في الختام، نود أن ننوه إلى أنه على الرغم من طرح منطقة بورت سيتي في سريلانكا لحوافز جذابة وتوفيرها لفرص استثمار مواتية للمشروعات الكبيرة، إلا أنه ينبغي على المستثمرين السعوديين الإمعان في دراسة التحديات الرئيسية التي تناولناها في هذه التحليل. وفي حالة تنفيذ القرار المحتمل بتقليص فترات الإعفاء الضريبي للشركات والمستثمرين على وجه التحديد، قد ينجم عن ذلك إضعاف القدرة التنافسية للدولة. ويجب على المستثمرين اتباع نهج مدروس بعناية إذا ما طمحوا إلى استثمار أموالهم في تلك الفرصة الاستراتيجية المحفوفة بالتحديات. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |