|
تُصوِر الحرب الإسرائيلية-الإيرانية مثالاً واقعيًا لاختبار مدى استجابة مختلف فئات الأصول للمخاطر الجيوسياسة المتصاعدة وأيها يمكن اللجوء إليه كخيار آمن للتحوط عند اتخاذ القرارات الاستثمارية. يرصد مؤشر المخاطر الجيوسياسية حجم المخاطر من خلال إحصاء عدد المقالات الإخبارية التي تتحدث عن الحرب والإرهاب والتوترات السياسية في مؤسسات النشر العشر الرائدة في أمريكا وبريطانيا، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريب جورنال وفاينانشال تايمز. ينشر باحثون في جامعة هافارد العريقة بيانات هذا المؤشر منذ عام 1985 ويستطيع المحللون الوصول لتلك البيانات بدون قيود، وينبغي مراقبة المؤشر قبل اندلاع الصراع وخلاله وبعد انتهائه حتى يمكن رصد التغييرات الطارئة على مستويات المخاطر الجيوسياسية. على سبيل المثال، عند زيادة مؤشر المخاطر الجيوسياسية بمقدار 100 نقطة، يزيد العائد على أصل مثل الذهب بنحو 2.5% تقريبًا. ![]() يقيس المؤشر مدى تواتر الأحداث الجيوسياسية السلبية مقارنةً بالنشاط الإخباري الاعتيادي من أجل رصد الارتفاعات الحادة في المخاطر الجيوسياسية عند تركيز الأنشطة الإخبارية بشكل أكبر على مثل تلك الأحداث. عند زيادة المخاطر الجيوسياسية، تنخفض عادةً قدرة السوق على تحمل المخاطر، وتتجه التدفقات النقدية نحو أصول مثل الذهب كملاذ آمن. وعلى النقيض، عندما تنخفض المخاطر الجيوسياسية، تزداد قدرة السوق على تحمل المخاطر، مما يؤدي إلى الخروج من ملاذ الذهب مما يؤدي إلى انخفاض في أسعاره. ينقسم المؤشر إلى ثلاث فئات رئيسية: 1- الوتيرة المرتفعة (يوم - 4 أيام) 2- الوتيرة المتوسطة (16 - 32 يومًا) 3- طويل الأجل (أكثر من 32 يومًا)
🚨 إشارات تنبيهية مبكرة للمستثمرين حال تحليل الصراع الإيراني الإسرائيلي الذي مازال في أيامه الأولى ولا يزال دائرًا حتى وقت نشر هذه النشرة الإخبارية، سنولي تركيزنا على فئة الوتيرة المرتفعة لمؤشر المخاطر الجيوسياسية، وخاصة خلال الإطار الزمني للأيام الأربعة الأولى. يساعد هذا النهج على توفير رؤى تحليلية حول بيئة المخاطر المتزايدة وتوضيح آلية الاستثمار بشكل متأقلم مع السوق واستراتيجيات إدارة المخاطر. على سبيل المثال، أبدى الذهب تماسكًا قويًا مع مؤشر المخاطر الجيوسياسية في المرحلة الأولية، وهذا يشير إلى التجاوب السريع للمستثمر مع الاخبار العاجلة. خلال اليوم الثاني من المواجهة العسكرية، ارتفع الذهب بمقدار 1.4% ليصل إلى 3,431 دولار للأونصة، ليصبح بذلك قريبًا من أعلى سعر قياسي للذهب البالغ 3,500.05 دولار والذي لم يتحقق منذ شهر أبريل. ![]()
🛢️ بوابة تزويد العالم بالوقود فيما يتعلق بأسعار الوقود، تشير الأبحاث الأكاديمية إلى تراوح متوسط زيادة أسعار خام برنت بين 1% إلى 3% خلال الأيام الثلاثة الأولى من تصاعد التوتر الجيوسياسي. ولكن إذا تتبعنا أسعار خام برنت خلال المرحلة الأولى، سنجد أن خام برنت ربح حوالي 7.6% (حيث وصل سعر البرميل إلى 74.23 دولار تقريبًا يوم 13 يونيو، أي بعد اندلاع الصراع بيوم واحد)، إلا أنه ارتفع بشكل أكبر قبل اندلاع الحرب بقليل حيث ارتفع بمقدار 13% كأكبر صعود يومي للأسعار منذ مارس 2022. يشير التباين الكبير في تزايد الأسعار بين المنهج الأكاديمي والارتفاع الفعلي، إلى مدى خطورة تأثير هذا الصراع المندلع في الشرق الأوسط، وخاصة أن تلك المنطقة تلعب دورًا محوريًا في عمليات إمداد النفط العالمية. وبناء على ذلك، نستنتج أن هذا العامل يسبب تجاوبات سوقية كبيرة متفاوتة نتيجة تزايد المخاوف من تعطل عمليات إمداد الوقود بشكل كبير، وخاصةً بعدما هددت طهران يوم السبت بإغلاق مضيق هرمز.
يعد مضيق هرمز النقطة البحرية الرئيسية التي تعبر خلالها شحنات النفط العالمية الواردة من دول الخليج العربي. حيث يعبر من هذا المضيق حوالي 20% من حجم تجارة النفط العالمية (بنحو 21 مليون برميل يوميًا)، مما يجعلها أحد أهم ممرات توريد الطاقة العالمية. ![]() قد يؤدي الإغلاق المفاجئ لمضيق هرمز إلى خفض إمدادات النفط المتاحة بشكل كبير، مما سيتسبب في ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد نحو 130 دولارًا للبرميل. يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف النقل والتصنيع وإنتاج الطاقة في مختلف أنحاء العالم. وينجم عن ارتفاع أسعار النفط زيادة التكاليف على الشركات التي تعتمد على النفط كأحد مدخلاتها (في التصنيع أو النقل)، أو تعتمد عليه كمصدر للطاقة، مما يؤدي إلى تقليص الهوامش الربحية وخفض تقييمات الأسهم. وعندما يُثار الارتياب بشأن النمو الاقتصادي والأرباح، يلجأ المستثمر إلى تقليل احتمالية تعرضه للمخاطر، مما يؤدي إلى زيادة تقلب سوق الأسهم، وهذا ما سنتناوله في الجزء الأخير من هذا التحليل. تؤثر أيضًا الهجمات المستهدفة لمنشآت الطاقة خلال هذه المواجهة الإسرائيلية الإيرانية بشكل كبير على أسعار الغاز والنفط، إذ تفاقم من مخاطر تقليل إمدادات النفط وتعمل على زيادة حالة الارتياب الجيوسياسي. ففي يوم السبت، الرابع عشر من يونيو، استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية مصفاة فجر جام في حقل غاز "بارس الجنوبي" الإيراني. أسفر هذا الهجوم عن وقف إنتاج 12 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، وسيؤدي هذا بالتبعية إلى تقليل وفرة إمدادات الغاز عالميًا، كما ستؤدي تلك الهجمات في حال استمرارها إلى زيادة أسعار النفط بشكل كبير نظرا لعجز إيران عن تصدير حصتها اليومية والبالغة حوالي 1.5 مليون برميل يوميا.
🔦 علاقة المؤشر بسوق الأسهم في البورصات العالمية، عادةً ما تبدي الأسهم تماسكًا سلبيًا مطردًا مع مؤشر المخاطر الجيوسياسية خلال فترة قصيرة من نشوب أي حرب، لاسيما في مراحل الوتيرة المتوسطة إلى القصيرة (من يوم إلى 4 أيام، ومن 8 أيام إلى 16 يومًا). عندما يكون التماسك سلبيًا، ترتبط زيادات مؤشر المخاطر الجيوسياسية (التي تشير إلى ارتفاع المخاطر الجيوسياسية) بانخفاض إيرادات سوق الأسهم خلال تلك النطاقات الزمنية.
عندما تزداد المخاطر الجيوسياسية، تميل أسعار الأسهم نحو الانخفاض، والعكس صحيح.
انخفض مؤشر ستاندارد آند بورز 500 بنحو 1.1%، ليسجل بذلك أسوأ جلساته منذ يوم 21 مايو، في حين انخفض مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.3% في بداية الحرب فجر يوم الجمعة 13 يونيو. ومن منظور الحرب، تعتبر معظم الأسهم أصولاً خطرة نظرًا لاحتمالية انطوائها على حالة ارتياب أو تذبذب مرتفعة واتجاه أسعارها نحو الانخفاض بسبب رغبة المستثمرين في تجنب المخاطر بشكل أكبر. شملت موجة الانخفاض جميع القطاعات في مؤشر ستاندارد آند بورز 500 ما عدا قطاعي الطاقة والدفاع. ![]() يشير هذا المخطط إلى انخفاض مؤشر ستاندرد آند بروز 500 بمقدار 68.29 نقطة خلال الأيام الخمس الماضية (خلال الفترة من 9 يونيو إلى 13 يونيو)، مما يعني انخفاض المؤشر بنحو 1.13%. كما انخفضت أيضًا العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بروز 500 بنسبة 0.9% فور نشوب المواجهة الإيرانية الإسرائيلية. ونفهم من حركة الأسواق تلك أن المستثمرين أقدموا على بيع أسهمهم لتقليل احتمالية تعرضهم للمخاطر، مما أدى إلى انخفاض العقود الآجلة قبل افتتاح السوق بشكل فعلي.
🕤 ساعات السوق المعتادة تبدأ بورصتا نيويورك وناسداك أعمالهما عادةً من الساعة 9:30 صباحًا حتى الساعة 4:00 مساءً بتوقيت واشنطن في أيام العمل من الاثنين إلى الجمعة. من واقع تداول العقود الآجلة على المنصات الإلكترونية على مدار اليوم كله وحتى خلال أوقات إغلاق سوق الأسهم، فإنها عادةً ما تعبر عن تنبؤات المستمرين اللحظية ومقدار تجاوبهم مع الأخبار والأحداث التي تقع خارج ساعات التداول المعتادة.وعلى الرغم من أن الأسهم عادةً ما تتأثر سلبًا بالمخاطر الجيوسياسية المتصاعدة، فإن بعض الأسهم الفردية تتجاوب مع تلك المخاطر بصورة مختلفة. فمع بداية حرب إسرائيل وإيران، ارتفعت أسهم شركة تسلا بنسبة 1.9% في المرحلة الأولى لمؤشر المخاطر الجيوسياسية (مرحلة الوتيرة المرتفعة خلال يوم إلى 4 أيام). ندرك أن هذا الأمر يتأثر بعدة عوامل أخرى غير المخاطر الجيوسياسية، مثل أخبار الشركة، أو أخبار الرئيس التنفيذي المثير للجدل إيلون ماسك، أو تحديثات الإنتاجية، أو التطورات التكنولوجية، أو التعليقات الإيجابية للمحللين في الصحف. في أوقات الارتياب، يلجأ المستثمرون أيضًا في بعض الأحيان إلى التناوب على تدوير أموالهم فيما بين القطاعات أو الأسهم القيِّمة و ذات فرص النمو الكبيرة و الابتكارية، نظرًا لأنها تعتبر أقل تعرضًا للمخاطر الاعتيادية مثل سعر النفط. في ختام هذا التحليل، من المهم الإشارة إلى أن الحروب عادةً لا يمكن التنبؤ بها في غالبية الأحوال، وغالبًا ما تندلع فجأة، ويمكن أن يكون تأثيرها على الأسواق المالية سريعًا وحادًا في المرحلة الأولى من الحرب. يؤكد العجز عن التنبؤ بالحرب على الضرورة الملحة لاتباع استراتيجيات استثمارية تراعي استخدام أدوات متابعة لحظية وخاصة مؤشر المخاطر الجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، جزم المحللون السياسيون لا سيما في الولايات المتحدة أن طهران وواشنطن ماضيان نحو إبرام اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني مستبعدين نشوب حرب، فيما زعموا على نحو خاطئ أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي كانت تشير بنحو غير مباشر الى احتمال القيام بعمل عسكري ضد طهران نظرا لانقضاء مهلة الـ 60 يوما التي منحهها للنظام الحاكم في إيران لإبرام اتفاق، كانت بمثابة ضغط سياسي قبل إجراء جولة أخرى من المفاوضات. من خلال التركيز على تجاوبات الأسواق التي تحدث خلال أيام أو حتى ساعات من نشوب أي حرب، يتبين لنا أن بإمكان المستثمرين لمح إشارات تنبيهية للمخاطر المتصاعدة ومواءمة محافظهم الاستثمارية وفقًا لها لتقليل احتمالية تكبد المزيد من الخسائر. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2025، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |