شعار أرقام إنتلجينس شعار أرقام إنتلجينس
English
شعار أرقام ويك اند
الرئيسية الإصدارات اشترك تواصل معنا موقع بوابة أرقام
الأسبوع #112 > من يحتفظ بالقيمة؟ اقتصاديات السوق القانونية في السعودية





 










مـن يحـتفظ بالقـيمة؟
اقتصاديات السوق القانونية في السعودية 

 

صارت السعودية أكثر أسواق الخليج العربي طلباً على التكليفات القانونية. ويقود هذا الطلب تمويل المشروعات العملاقة، والإصدارات السيادية، والاندماجات والاستحواذات العابرة للحدود، والطروحات الأولية — وكلها تتحرك بوتيرة تفوق قدرة السوق على توفير الكوادر المتخصصة.

وقد افتتحت جميع المكاتب الدولية الكبرى تقريباً فروعاً في الرياض. ومع ذلك لا يُفصح أيٌّ منها عمّا إذا كان هذا الوجود يحقق ربحاً — وهذا في ذاته ليس أمراً استثنائياً، إذ لا تُفصح شركات المحاماة عن ربحية مكاتبها الفردية في أي سوق. لكنه يعني أن الإجابة يجب أن تُستخرج من بنية العمل نفسها.
والمنطلق أن الإيراد المُسجَّل في الرياض والربح المتحقق فيها رقمان مختلفان.

 
⚖️
كيف يتوزّع الربح في مكاتب المحاماة

تدفع مكاتب المحاماة لمعظم محاميها رواتب ثابتة. أما الشركاء المالكون (Equity Partners) فوضعهم مختلف: فهم يملكون المكتب، ويقتسمون ما يتبقى بعد سداد الرواتب والإيجارات والمصروفات كافة. وهذا المتبقي هو الربح.
وفي المكاتب الدولية لا يستقر هذا الفائض في المكتب بوصفه مؤسسة، بل يُقسَّم على بضع مئات من الأفراد، يقيم معظمهم في لندن ونيويورك وواشنطن. وهذا هو المقصود بأن القيمة تتركز لدى الشركاء المالكين.

في تمويل الشركات، قد تجري مفاوضات الصفقة في الرياض، ويحكمها القانون الإنجليزي، ويموّلها سوق لندن، ويُسجَّل إيرادها محاسبياً في مكان آخر.
وقد يتولى فريق الرياض إدارة العمل اليومي، بينما تذهب حصة معتبرة من الأتعاب إلى الشركاء المختصين بالتمويل في لندن ووحدة الأوراق المالية في نيويورك. والسبب بنيوي لا اعتباطي: هؤلاء هم من يتولى هيكلة الصفقة وتقديم المشورة الاستراتيجية، وهي الطبقة الأعلى قيمة في التكليف. أما توزيع هذه الحصص فلا يُفصح عنه، وهو مما تتناوله الورقة الكاملة استناداً إلى تقديراتنا.

⚔️
النزاعـات
الاحتمال الأعلى قيمة

وإذا نشأ نزاع، انتقل جانب كبير من الأتعاب إلى محامي التحكيم.
والنمط السائد تاريخياً في المنطقة أن تُسوّى هذه النزاعات خارج المملكة، لأسباب متضافرة: خضوع العقد في أغلب الأحيان للقانون الإنجليزي، ووقوع مقر التحكيم في لندن أو باريس بحكم الشرط التعاقدي، وتجمّع المتخصصين والخبرة المتراكمة هناك.
وهذا النمط في طور التحوّل. فالتحكيم داخل المملكة ينمو بوتيرة كبيرة، والمحاكم السعودية تؤيد أحكامه ولا تقضي ببطلانها إلا في نطاق ضيق.

لكن هنا مسألة توقيت تستحق الانتباه: الشرط التعاقدي الذي يُتفق عليه اليوم يحكم مسار النزاع لسنوات مقبلة. أي أن العقود المبرمة في السنوات الماضية ستظل توجّه نزاعاتها إلى الخارج بصرف النظر عن التحسّن المؤسسي القائم. فأثر التحوّل، إن استمر، يظهر متأخراً بطبيعته.
أما التكاليف فتُدفع محلياً. تستخرج المكاتب تراخيصها داخل المملكة، وتلتزم بمتطلبات السعودة، وتوظف محامين مخضرمين تستقدم معظمهم حتى الآن من الخارج بشروط الوافدين وما تحمله من رواتب ومزايا انتقال.

ويُضاف إلى ذلك عامل يقلّ الحديث عنه: طول فترة تحصيل الأتعاب. ففواتير الجهات المرتبطة بالجهات الحكومية عادة قد تستغرق أشهراً حتى تُسدَّد، والمكتب يدفع رواتب موظفيه شهرياً في أثناء ذلك. أي أنه يموّل هذا الفارق الزمني من رأس ماله، وهذه كلفة حقيقية لا تظهر في أي جدول أتعاب.
ومن هنا يبرز السؤال: هل مكتب شركة المحاماة والخدمات المهنية التي افتتحت فرعا في الرياض نشاط تجاري قائم بذاته، أم كلفة يتحملها المكتب ثمناً للقرب من عملاء تُصدَر فواتيرهم في مكان آخر؟

تتوقف معظم التقارير المنشورة حول قطاع الخدمات المهنية والقانونية عند جانب الطلب وحده، أي حجم التكليفات التي تولّدها السوق. وتدفق الصفقات استثنائي بالفعل، فينتهي القارئ إلى استنتاج واحد بلا عناء: سوق قانونية مزدهرة.
لكن هذا الاستنتاج يتجاوز خطوة. فأداء العمل وجني ربحه ليسا الشيء نفسه، والفجوة بينهما هي موضوع هذا التحليل من
ارقام انتلجينس.



 
⚠️ ملاحظات: تستند قيم الصفقات إلى النشاط المعلن خلال عام 2025. واشتُقت نطاقات الأتعاب القانونية من سوابق الصفقات الدولية والأدبيات الأكاديمية، لا من إفصاحات أتعاب خاصة بالسوق السعودية، إذ إن هذه الإفصاحات غير متاحة للعموم. وتمثل التقديرات إجمالي الأتعاب المستحقة لجميع المستشارين القانونيين المشاركين في الصفقة، ولذلك ينبغي تفسيرها بوصفها تقديرات استرشادية لحجم السوق لا إيرادات فعلية حققتها الشركات العاملة في السعودية.
 
🔎
حجم الصفقات وحده لا يظهر كل الحقيقة

الحجم مقياس خاطئ. فالمهم هو نوع العمل، لأن الهوامش تتفاوت تفاوتاً هائلاً بين الخدمات القانونية؛ إذ يمكن لتكليفين متساويين في الحجم أن يمثلا قيمتين مختلفتين تماماً للمكتب الذي ينفذهما.
وبعض العمل القانوني تنفيذي بطبيعته: توثيق قرار اتُّخذ بالفعل في مكان آخر. وكلا النوعين ضروري. لكن واحداً منهما فقط يحظى بعلاوة سعرية، وهو ليس النوع الذي يستهلك أكبر عدد من الساعات.
فعندما يُفكَّك تكليف سعودي لمكتب محاماة دولي إلى مكوناته، من الذي يتولى التفكير، ومن الذي يتولى الأعمال الورقية؟

لا تستطيع أحجام الصفقات وإجماليات الأتعاب الإجابة عن ذلك. فهي تقيس حجم العمل، لا الوجهة النهائية للأموال.
وطريقة توزيع تكليف العميل بين تلك المكاتب هي التي تحدد أين يستقر الربح. ويتحدد هذا التوزيع لحظة قبول العمل: أي مكتب يحمل التكليف رسمياً، وأسعار الساعات في أي مكتب تنطبق عليه، وأي شريك تُنسب إليه العلاقة مع العميل.

 
⁉️
الرقم الذي لا يفصح عنه أحد

لا يُفصح عن أتعاب هذه التكليفات. لكنها تتحرك تبعاً لقيمة الصفقة ضمن نطاقات معروفة، ما يتيح تقدير حجم السوق بالاستناد إلى بيانات الصفقات المعلنة والمعايير الدولية.
التقدير نطاق لا رقم محدد. والنطاق وحده يكفي لطرح السؤال الأهم من جديد: من يحصّل معظم الربح؟

بنينا الرقم من القاعدة إلى القمة: أخذنا قيم الصفقات المعلنة وضربناها في نطاقات أتعاب مستمدة من الدراسات الأكاديمية وملفات إفصاح الأوراق المالية والممارسات السوقية، واستبعدنا متغيرات عدة، من بينها كلفة التحكيم، والتقاضي، والالتزام التنظيمي، لدقة التحليل. والنتيجة تقدير لا يحسم المسألة.
يخلص بحثنا إلى أن القيمة في سوق الخدمات القانونية بالمملكة لا تستقر حيث يُنجز العمل، بل حيث تتركز السيطرة  بل حيث تتركز مقومات القوة التسعيرية وتدار مكوناتها الأكثر استراتيجية.

وثلاثة عوامل هي التي تحدد هذه القوة التسعيرية:

الأول: ملكية العلاقة مع العميل. فمن يملكها هو من يعود إليه العميل في التكليف التالي، دون أن ينافس عليه.
الثاني: القانون الحاكم للعقد. فاختيار قانون دولة بعينها يحدد الجهة التي تتولى الصياغة والاستشارة والمرافعة عند إعادة التفاوض على الصفقة أو نشوء نزاع حولها — أي على امتداد عمر الصفقة، لا في لحظة إبرامها فقط.
الثالث: ندرة المعرفة. أي أن يمتلك المستشار خبرة لا يجد العميل لها بديلاً متاحاً في السوق.

وكل عامل من هذه العوامل مصدر لقوة التسعير ‎(pricing power)‎، أي قدرة المكتب على تحديد أتعابه دون أن يفقد العميل، وقوة التسعير هي منبع الربح.
اسأل من يشارك في سوق الخدمات القانونية تجد الإجابة مشجعة. واسأل من يملك قوة التسعير تجد صورة مختلفة تماماً.

🔦
النصف الآخر من السؤال

غير أن القوة التسعيرية لا تنشأ في فراغ. فهي تقوم على الإطار المؤسسي المحيط بها، وقد أعادت المملكة بناء هذا الإطار على نحو واسع: أنظمة جديدة للشركات والإثبات والمعاملات المدنية.
وأثر هذا الإطار في اقتصاديات مكاتب المحاماة مباشر. فهو يحدد ما الذي يحتاج العميل إلى مشورة بشأنه، ودرجة تعقيد العمل المطلوب، وحدود ما يمكن للمستشار المحلي أن يتولاه دون الرجوع إلى قانون أجنبي.

غير أن سَنّ النظام مُدخَل في المعادلة لا نتيجة لها. فالمعيار الاقتصادي ليس عدد الأنظمة الصادرة، بل ما إذا كانت كلفة إبرام التعاقدات وتنفيذها قد انخفضت فعلاً: أصبح إنفاذ العقد أيسر، وتسوية النزاع أسرع، والنتيجة أقرب إلى التنبؤ قبل الالتزام برأس المال.
وهذا ما يفرّق بين سوق يجذب الاستثمار بما تغيّر في الممارسة، وسوق تغيّر فيها النص وحده.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة البيانات في سياقها الصحيح. فارتفاع أعداد قضايا التحكيم يحتمل تفسيرين متساويين في المعقولية: أن ثقة الأطراف بالتحكيم زادت فاختارته لتسوية منازعاتها، أو أن عدد المنازعات في السوق ارتفع. والأرقام وحدها لا ترجّح أحدهما.
ولذلك فالسؤال الذي تطرحه هذه الورقة على الأدلة سؤال أضيق نطاقاً وأصعب إجابةً: هل انخفضت كلفة العمل فعلاً على المنشآت العاملة في هذه السوق؟



 
⚠️ ملاحظة: أدرج البنك الدولي المملكة في مؤشر جهوزية الأعمال (B-READY)، وهو المؤشر الذي حلّ محل تقرير سهولة أداء الأعمال بعد توقفه، ويقيس مدى سهولة تأسيس الشركات وتشغيلها وإغلاقها.
وهذا الإدراج يوفّر خط أساس للقياس، لكنه لا يكفي للحكم على التقدم. فالقياس يستلزم قراءتين على الأقل يفصل بينهما وقت كافٍ، وهو ما لن يتوافر قبل سنوات.

 

والتحكيم هو الإصلاح الذي تسنده أدلة ملموسة: فأعداد القضايا ارتفعت ارتفاعاً حاداً، وصارت الإجراءات تخضع لإشراف مؤسسي عبر محكمة المركز السعودي للتحكيم، ولا تقضي المحاكم ببطلان أحكام المحكّمين إلا في نطاق ضيق — فصار الحكم، متى صدر، أقرب إلى النهائية.
غير أن هذا تقدّم في مجال واحد. أما اعتباره دليلاً على انخفاض تكاليف المعاملات في الاقتصاد كافة، فطرح آخر أوسع نطاقاً بكثير. وفي المسافة بين الطرحين يبدأ التحليل الدقيق.

فالبيانات المتاحة لا تفصل أثر الأنظمة الجديدة عن أثر ما تغيّر معها في الوقت نفسه. فقد رُقمنت الخدمات الحكومية، وأُعيد تنظيم القضاء، وتقلبت أسعار النفط وما يتبعها من إيرادات — وكلها عوامل تصلح لتفسير أي انخفاض في كلفة تأسيس نشاط تجاري بالمملكة.
أي أن تعديل القواعد لا يعني بذاته انخفاض الكلفة، ولا يعني أن الانخفاض إن حدث يُنسب إليه.


 
تعرض الورقة الكاملة الصادرة عن أرقام إنتلجينس تقديراتنا لإجمالي الأتعاب التي تولّدها الصفقات، وتتتبع كيفية توزّع التكليفات بين المكاتب في الرياض والمكاتب في الخارج، وتختبر ما غيّرته الإصلاحات في الممارسة الفعلية لا في النص.
 
للحصول على الورقة البحثية كاملةً، اضغط هنا
 
Facebook
Twitter
LinkedIn
Instagram
YouTube
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة