شعار أرقام ويك اند شعار أرقام ويك اند
English
شعار أرقام ويك اند
الرئيسية الإصدارات اشترك تواصل معنا موقع بوابة أرقام
الأسبوع #110 > الطيران الاقتصادي السعودي تجاوز مرحلة الإثبات، والآن أمام اختبار اقتصاديات التشغيل 





 









الطـيران الاقتـصادي السـعودي
تجاوز مرحلة الإثبات، والآن أمام اختبار اقتصاديات التشغيل

 

يشهد سوق الطيران الاقتصادي في السعودية تحولاً جذرياً؛ فقد كان السوق لسنوات يقتصر بشكل فعلي على شركة طيران واحدة، إذ كانت طيران ناس تتصدر الرحلات الداخلية وقصيرة المدى فيما خدمت  الخطوط السعودية شريحة الخدمة الكاملة من السوق. أما اليوم فقد تغيرت هذه البنية.

فقد دخل سوق الطيران الاقتصادي في السعودية مرحلة منافسة حقيقية وفعالة لم تكن قائمة من قبل، وذلك بفضل النمو السريع لشركة طيران أديل. وأصبح المشهد اليوم يضم ناقلين اقتصاديين بحجم وتأثير ملموس يعملان جنباً إلى جنب مع الخطوط السعودية، وتمتلك كل منهما الحجم والقدرة الكافية للتأثير في قرارات التسعير.
هذا التحول الهيكلي يحمل أهمية تتجاوز ما تشير إليه أرقام كل شركة طيران بمفردها. ففي قطاع الطيران، لا يتوقف تشكّل هوامش الربح على مدى كفاءة كل ناقل جوي في إدارة تكاليفه الخاصة فحسب، بل تصوغه أيضاً طبيعة المنافسة في السوق نفسه.

فدخول ناقل اقتصادي ثانٍ بحجم مؤثر يرفع سقف المنافسة، فيزداد الضغط التنافسي على أسعار التذاكر، وتصبح الشركات أكثر تدقيقاً في جدوى المسارات التي تشغّلها. وبذلك يكتسب الطيران الاقتصادي موقعاً مؤثراً في قطاع الطيران السعودي ككل، وهو ما لم يكن ممكناً حين كانت هناك شركة طيران واحدة تحلق بمفردها في سماءه.
والسؤال المهم الآن ليس أيّ الناقلين أكبر حجماً، بل ما إذا كانت بنية السوق الحالية تنقل محور التنافس من سعر التذكرة إلى مصادر ربح أخرى. أولها الإيرادات الإضافية أو المساندة (ancillary revenue)، أي ما تجنيه الشركة من خدمات مثل رسوم الأمتعة واختيار المقاعد بخلاف قيمة التذكرة. وثانيها تحقيق الدخل من الوجهات (destination monetisation)، أي تحويل الوجهة نفسها إلى مصدر إيراد عبر خدمات مرتبطة بها. فالهامش الذي يجنيه كلا الناقلين من سعر التذكرة وحده يتعرض لضغوط فعلية.

🔎
إعادة رسم مسارات السوق

تبلغ حصة الناقلات الاقتصادية اليوم 39% من حركة الطيران في السعودية، فيما تبلغ نحو 60% في بعض أكثر أسواق الطيران الاقتصادي نضجاً.
وهذا المستوى لم يأتِ دفعة واحدة؛ فقد كانت نسبة استخدام الطيران الاقتصادي في المملكة نحو 20% في عام 2015، ووصلت إلى مستواها الحالي بحلول عام 2023، متجاوزةً متوسط دول مجلس التعاون الخليجي البالغ 31% خلال الفترة نفسها.

وبحسب تقديرات مستقلة، فإن هناك إعادة توزيع واسعة للحصص بين شريحتي الخدمة الكاملة والطيران الاقتصادي في السوق المحلية بين عامي 2021 و2024 كما يلي: 

● الخطوط السعودية (الخدمة الكاملة): تراجعت حصتها من 65% إلى 52%
● طيران أديل (الطيران الاقتصادي): ارتفعت حصتها من 19% إلى 24%، لتصبح ثاني أكبر ناقل محلي.
● طيران ناس (الطيران الاقتصادي): وسّعت حضورها من 17% إلى 23%
ويعني هذا أن حصة الخطوط السعودية تراجعت بمقدار 13 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات، في مقابل ارتفاع الحصة المجمعة لشركتي الطيران الاقتصادي بمقدار 11 نقطة، توزعت بينهما بنسب متقاربة.

وفي عام 2025 نقلت طيران ناس 15.8 مليون مسافر، بارتفاع 7% على أساس سنوي. وتزامن ذلك مع ارتفاع الكيلومترات المقعدية المتاحة (available seat kilometres)، وهي حاصل ضرب عدد المقاعد المعروضة في المسافة المقطوعة، بنسبة 11% لتصل إلى 28.1 مليار كيلومتر مقعدي. وجاء ذلك عبر أسطول من 71 طائرة، و156 مساراً، و80 وجهة في 38 دولة.
وحقق قطاع الطيران الاقتصادي في الشركة إيرادات بلغت 7.09 مليار ريال في عام 2025، أي ما يزيد قليلاً على 90% من إجمالي إيرادات المجموعة. ويعني ذلك أن منصة الطيران الاقتصادي لا يقتصر ثقلها على حجم الحركة، بل تشكّل الركيزة الأساسية لاقتصاديات نموذج عمل الشركة.

كما بلغت طيران أديل حجماً يجعل منها قطباً ثانياً في سوق الطيران الاقتصادي السعودي.
فقد نقلت الشركة 10.7 مليون مسافر في عام 2025، بارتفاع قدره 33%، مع زيادة السعة المقعدية بنسبة 21%، وارتفاع عدد المسارات إلى 159، والوجهات إلى 43 وجهة، وحجم الأسطول إلى 44 طائرة من طراز إيرباص A320.

ويشير تحقيق معدل انضباط في مواعيد الرحلات بنسبة تقارب 90% خلال العام إلى أن هذا النمو يستند إلى كفاءة تشغيلية متزايدة، وأنه ليس مجرد نتيجة لزيادة حجم الأسطول.
ورغم هذا التوجه المشترك، يتفاوت الناقلان الاقتصاديان في توزيع نشاطهما بحسب نوع المسار؛ إذ توزّع طيران ناس كيلومتراتها المقعدية المتاحة بنسبة 33% للرحلات الداخلية و67% للرحلات الدولية، مع استمرار المسافرين على الرحلات الداخلية في تمثيل 52% من إجمالي حركة مسافري الشركة خلال النصف الأول من عام 2025. وفي المقابل، تركز طيران أديل على السوق المحلية بدرجة أكبر بكثير، إذ توظف نحو 68% من كيلومتراتها المقعدية المتاحة في الرحلات الداخلية.



 
ℹ︎
السعودية تعيد تعريف الطيران الاقتصادي في الخليج
تُظهر هذه البيانات عند النظر إليها مجتمعة أن شركات الطيران الاقتصادية لا تقوم فقط بتوسّيع حصتها المجمعة، بل تحل بشكل متزايد محل سعة الخدمة الكاملة على الرحلات الداخلية، وتبني في الوقت نفسه عمقاً دولياً أكبر.
وهذا التباين هو أيضاً ما يميّز شركات النقل الجوي الاقتصادية السعودية على المستوى الإقليمي؛ فنظيراتها مثل فلاي دبي والعربية للطيران وطيران الجزيرة تعتمد بالكامل على الكيلومترات المقعدية الدولية دون تسيير أي رحلات داخلية تجارية، وهو ما يتسق مع الحجم الصغير للأسواق المحلية التي تنطلق منها.

وفي المقابل، تستند شركتا طيران ناس وطيران أديل إلى سوق محلية بحجم يكفي لتشغيل شبكات نقل جوي داخلية قوية بالتوازي مع التوسع الدولي، ما يعني أن الناقلات الجوية الاقتصادية السعودية تبني مجازا نموذج عمل ثنائي المحرّك، محلي ودولي، وهو نموذج تنفرد المملكة بامتلاك مقومات نجاحه مقارنة بمعظم أسواق مجلس التعاون الخليجي الأخرى.


💵
الأرباح مدفوعة بحجم الدخل لا بتقليل النفقات

لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد في القطاع: هل يستطيع الناقلان تحقيق دخل من كل مسافر يقارب ما تحققه شركات الطيران الاقتصادي الأكثر نضجاً في العالم؟
تقوم ربحية الطيران الاقتصادي في صورته المكتملة على ثلاثة عوامل: كثافة المقاعد داخل الطائرة، وخفض تكلفة تشغيل المقعد الواحد لمسافة محددة (unit cost)، وقدرة الشركة على توليد إيرادات إضافية بخلاف قيمة التذكرة. وقد قطعت السعودية شوطاً واضحاً في العاملين الأولين، بينما لا يزال الثالث في بداياته.

ولهذا خصّصت أرقام انتليجينس التحليل الثاني من هذا الإصدار لدراسة تتجاوز الرسوم التقليدية التي تفرض على الأمتعة واختيار المقاعد، واستكشاف كيف توظّف شركات الطيران مقعد الطائرة كنقطة ارتكاز استراتيجية تستقطب من خلالها إنفاق المسافر المتوقع في بقية مراحل رحلته كاملة وتحقق دخلاً منه.
وتُظهر النتائج المالية لشركة طيران ناس لعام 2025 أن النموذج قادر على تحقيق جدوى تجارية عند التشغيل بحجم كبير؛ إذ ارتفعت الإيرادات إلى 7.84 مليار ريال، وزادت الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء (adjusted EBITDA) بنسبة 15% إلى 2.5 مليار ريال، فيما ارتفع صافي الربح المعدل بنسبة 28% إلى 556 مليون ريال، بعد استبعاد مصاريف غير متكررة مرتبطة بالطرح العام الأولي بلغت 1.083 مليار ريال، وهي التي أدت إلى تسجيل خسارة صافية محاسبية قدرها 527 مليون ريال.

فمقابل كل كيلومتر مقعدي متاح قامت طيران ناس بتشغيله، حققت الشركة إيراداً قدره 24.9 هللة، مسجلةً انخفاضاً عن مستواه البالغ 26.4 هللة في عام 2024. وفي المقابل، نجحت الشركة في خفض تكلفتها المعدلة للكيلومتر المقعدي المتاح من 24.9 هللة إلى 23.3 هللة. ونظراً لتراجع التكاليف بوتيرة أسرع من انخفاض الإيرادات، اتسع الفارق بينهما بشكل طفيف من 1.5 هللة إلى 1.6 هللة. ويمثل هذا التحسن المحدود مؤشراً على أن طيران ناس تمكنت من حماية هامش ربح الوحدة عبر ضبط النفقات، لا من خلال نمو الإيرادات.
غير أن هذا الفارق البالغ 1.6 هللة بين الإيراد والتكلفة، وإن كان يعني أن التشغيل مربح، يظل هامشاً ضيقاً قد يمحوه أي تراجع بسيط في الأداء. فعندما تكون الهوامش بهذا الضيق، تصبح اقتصاديات كل مقعد يُضاف إلى الشبكة مؤثرة فوراً: فالمقاعد التي تُباع بأسعار مجزية ترفع هذا الفارق، أما التي تُباع بأسعار مخفضة أو تبقى شاغرة فتقلّصه. وفي ظل هوامش كهذه، لا يعود ما ينفقه المسافر بخلاف قيمة التذكرة مجرد إيراد مكمّل، بل يصبح هو ما يصنع الهامش الحقيقي.

 
ℹ︎
اختبار ربحية السعة الجديدة
عندما تضيف طيران ناس مساراً جديداً، أو ترفع عدد الرحلات على مسار قائم، أو تُدخل طائرة أكبر في الخدمة، فهي بذلك تضيف سعة جديدة؛ أي مزيداً من المقاعد المعروضة للبيع عبر عدد أكبر من الرحلات والوجهات.
فهل يمكن بيع هذه المقاعد الإضافية بأسعار تغطي تكلفة تشغيلها، وتُبقي في الوقت نفسه فارقاً موجباً بين الإيراد والتكلفة؟
وتحمي شركات الطيران الاقتصادي الأكثر نضجاً هوامشها ليس فقط عبر خفض تكلفة الكيلومتر المقعدي، بل عبر زيادة ما تحققه من كل مسافر من خلال رسوم الأمتعة واختيار المقاعد والمبيعات على متن الطائرة وبرامج الولاء والشراكات، وصولاً إلى تحقيق الدخل من تجارة تجزئة السفر بمعناها الأوسع (travel retail)، أي بيع منتجات وخدمات مرتبطة بالسفر خارج نطاق الرحلة نفسها.

وبينما تتيح إفصاحات طيران ناس حساب مؤشرات إيراد الوحدة وتكلفتها بهذه الدقة، تركّز الإفصاحات العلنية لشركة طيران أديل في معظمها على أعداد المسافرين ونمو السعة واتساع الشبكة والأداء التشغيلي، مع قدر أقل بكثير من التفصيل في هذه المؤشرات.
ولا تفصح طيران أديل عن تفاصيل مالية تكفي لحساب إيراد الكيلومتر المقعدي أو تكلفته بدقة من البيانات العامة. غير أن ما هو ظاهر، من نمو شبكة المسارات وأعداد المسافرين والحصة السوقية، يشير إلى شركة نقل جوي تترسخ مكانتها في سوق الطيران الاقتصادي السعودي، وإن ظلت اقتصاديات الوحدة لديها غير معلنة.
وبلغ معدل إشغال المقاعد (load factor) لدى طيران ناس، أي نسبة المقاعد التي يشغلها مسافرون بمقابل، 83.2% في عام 2025، منخفضاً من 85.6% في عام 2024.

وهذا التراجع ليس مقلقاً في حد ذاته، لكنه يشير إلى أنه مع نمو السعة، يصبح بيع المقاعد بالسعر المناسب أهم من مجرد ملئها.
وعند مستويات الإشغال هذه، يعتمد هامش الربح بدرجة متزايدة على ما ينفقه المسافر بخلاف قيمة التذكرة.

وحققت طيران ناس من الرحلات الدولية إيرادات تفوق ما حققته من الرحلات الداخلية في عام 2025، إذ بلغت 4.41 مليار ريال مقابل 2.63 مليار ريال. والنمو الدولي يعزز الإيرادات، لكنه يزيد في الوقت نفسه من ارتباط الأداء باتفاقيات النقل الجوي الثنائية ومستوى المنافسة وتفاوت رسوم المطارات.
وتبقى الرحلات الداخلية أساس الشبكة. ومن هنا، فإن تحسين هوامش الربح لا يتحقق بمجرد التوسع الدولي، بل يتطلب رفع جودة الإيرادات في شبكة تختلف اقتصاديات مساراتها اختلافاً كبيراً من سوق إلى أخرى.

 
🤝
الاتفـاقيات الثـنائية
معادلة لم يعرفها الطيران الاقتصادي الأوروبي

تعمل شركات الطيران الاقتصادي السعودية في بيئة تخضع لإشراف تنظيمي أوسع من البيئة التي تعمل فيها نظيراتها الأوروبية. فقد بنت رايان إير وإيزي جيت نموذجيهما في سوق الطيران الأوروبية الموحدة، حيث تفتح أي شركة ما تشاء من المسارات عبر الحدود من دون موافقات مسبقة، وحيث المنافسة مفتوحة أمام الجميع، وبدء تشغيل أي خط أو وقفه قرار تجاري سريع.
أما في السوق السعودية، فتعمل الشركات ضمن اتفاقيات ثنائية وأطر تنظيمية واقتصاديات مطارات تجعل هذه المرونة أقل اتساعاً. ولذلك يظل النموذج الأوروبي مرجعاً مفيداً للمقارنة، لا نموذجاً قابلاً للنقل المباشر.

ويعمل الطيران الدولي في السعودية ضمن اتفاقيات النقل الجوي الثنائية، وهي ترتيبات بين الحكومات تحدد المسارات المسموح بتشغيلها وعدد الرحلات والسعة المتاحة على كل منها. وبذلك لا يكفي الطلب التجاري وحده لفتح مسار دولي جديد، بل يبدأ الأمر بالتفاوض على حقوق التشغيل.
وتوضح الوجهات التي أضافتها طيران ناس إلى شبكتها في 2025، وهي روسيا وكوسوفو وأوغندا وجيبوتي، هذه الآلية مباشرة؛ إذ تطلّب دخول كل سوق جديدة موافقة ثنائية قبل بيع أي مقعد. وهي خطوة لا مقابل لها في أوروبا، حيث تفتح شركات مثل رايان إير وجهات جديدة أو تكثّف رحلاتها إليها أو توقف تشغيلها، وفق اعتبارات تجارية في المقام الأول.

وبالنسبة للناقلات السعودية، يرتبط النمو الدولي بمسار التفاهمات الحكومية بقدر ارتباطه بالطلب التجاري. وينعكس ذلك على جوانب عدة، من جداول تخطيط الشبكة إلى وتيرة نمو الإيرادات الإضافية على المسارات التي لا تكتمل جدواها إلا بعد تأمين حقوق التشغيل ورفع عدد الرحلات إلى مستويات مستدامة.
ولم تصل الناقلات السعودية إلى هذا المستوى بعد؛ إذ تفصح طيران ناس عن إجمالي إيراد الكيلومتر المقعدي (RASK) وتكلفته (CASK) من دون بند مستقل للإيرادات الإضافية، فيما لا تنشر طيران أديل هذين المؤشرين.

بلغت شركات الطيران الاقتصادي السعودية حجماً تجارياً كبيراً، وأثبتت قدرتها على بيع مقاعدها بأكثر من كلفة تشغيلها. أما الإيرادات الإضافية، من رسوم الخدمات والباقات وبرامج الولاء والشراكات التجارية، وهي مصادر تدرّ نحو ثلث إيراد الوحدة لدى شركات مثل رايان إير وإيزي جيت، فما زالت في مرحلة  أولية من التطور. فقد نضجت اقتصاديات التشغيل الأساسية، أما تحقيق الدخل الإضافي من المسافر فلم يبلغ هذا النضج بعد.




 
⚠️ ملاحظة: يرصد الرسم البياني إيراد طيران ناس وتكلفتها المعدلة لكل كيلومتر مقعدي متاح، بالهللة، من عام 2021 إلى عام 2025. والمسافة بين الخطين تمثل الفارق بين الإيراد والتكلفة على مستوى الوحدة: فكلما اتسعت هذه المسافة ارتفعت ربحية التشغيل، وكلما ضاقت تعرضت هذه الربحية للضغط.
 

🛢️
سعر الوقود لدى طيران ناس ليس كسعره لدى رايان إير
 

تكاليف الوقود تضيف فارقاً جوهرياً آخر بين السوقين. فقد صنّفت طيران ناس تقلب تكاليف الوقود والتشغيل ضمن المخاطر الرئيسية لعام 2026، رغم أن رسوم الوقود والخدمات الأرضية سجلت انخفاضاً طفيفاً في 2025.
فتسعير الوقود في الخليج وترتيبات التوريد وممارسات التحوط تختلف عما هو قائم في الأسواق الأوروبية، حيث يخضع تسعير الوقود لآليات السوق، ما يعني أن مقارنات تكلفة الوحدة بين الناقلات السعودية والأوروبية تعكس اختلاف بنية السوق بقدر ما تعكس كفاءة الشركات.

ولا يقلل أي من ذلك من جاذبية السوق السعودية، فالنمو قوي. غير أن الطريق إلى ربحية ناضجة يختلف هنا في طبيعته؛ إذ تعمل شركات الطيران الاقتصادي السعودية ضمن استراتيجية للطيران توازن بين الربط الجوي والسياحة وحركة الحج والعمرة وتطوير البنية التحتية في آن واحد. وهي مهمة أوسع  وأعقد من مجرد خفض التكاليف.

تمثّل تكاليف الوقود عبئاً أكبر على طيران ناس منه على رايان إير، غير أن الفجوة بين الشركتين تظل أضيق وأدق في تفاصيلها مما توحي به المقارنة المباشرة للنسب المئوية.
فالوقود يُعدّ أكبر بند منفرد في التكاليف التشغيلية لطيران ناس، إذ بلغ نحو 1.70 مليار ريال، بما يمثل 26.8% تقريباً من إجمالي تكلفة الإيرادات في عام 2025، انخفاضاً من 28.2% في عام 2024.

ولم يأتِ هذا التحسّن من تغيير هيكلي، بل من اعتدال أسعار الوقود العالمية وإعادة التفاوض على عقود الموردين؛ وهي رياح مواتية مفيدة، غير أن المشكلة الأساسية لم تُحلّ بعد.
في المقابل، أنفقت رايان إير نحو 5.22 مليار يورو على الوقود من إجمالي تكاليف تشغيلية بلغت 12.39 مليار يورو في السنة المالية 2025. أي أن الوقود استأثر بنحو 42% من كل يورو أنفقته الشركة على تشغيل عملياتها، انخفاضاً من 45% في السنة السابقة، حين بلغت تكاليف الوقود 5.14 مليار يورو مقابل إجمالي مصروفات قدرها 11.38 مليار يورو.

المفارقة هنا أن رايان إير تنفق قرابة 42% من تكاليفها التشغيلية على الوقود، مقابل نحو 27% لدى طيران ناس. لكن هذه الفجوة، وقدرها 15 نقطة مئوية، لا تعني أن النسبة لدى رايان إير ضعف نظيرتها لدى طيران ناس؛ فالشركتان أقرب في كثافة استهلاك الوقود مما توحي به المقارنة الظاهرية.
وتفصح رايان إير عن تحوّطها من مخاطر أسعار الوقود بتفاصيل دقيقة: فقد ثبّتت مسبقاً سعر شراء 78% من احتياجاتها من الوقود للسنة المالية 2025 عند 79 دولاراً للبرميل، وقامت بالخطوة نفسها لما يقارب 84% من احتياجات السنة المالية 2026 عند 76 دولاراً للبرميل، بما يجعل تكلفة معظم الوقود الذي ستستخدمه معلومة سلفاً مهما تحركت أسعار السوق.

على الجانب الآخر، ما فعلته طيران ناس هو شراء الحق، لا الالتزام، في شراء الوقود بسعر محدد سلفاً: فإذا ارتفعت أسعار السوق فوق هذا السعر المتفق عليه تشتري به، وإذا بقيت دونه تشتري من السوق مباشرة. وبلغت التكلفة المدفوعة مقدماً لتأمين هذه الحماية 6.4 مليون ريال في الربع الأول من عام 2026. 
(المقصود بعبارة شراء الحق لا الالتزام هو عقد خيار (Option) مالي تشتري فيه طيران ناس حق شراء الوقود بسعر محدد مستقبلا عن طريق دفع رسوم تأمين، دون أن تجبرها الاتفاقية على تنفيذه إن لم يكن مجديا).
ولا يزال من غير الواضح مقدار ما يغطيه هذا التحوّط فعلياً من إجمالي استهلاك طيران ناس من الوقود، وعند أي سعر يبدأ مفعوله. ومن دون هذين الرقمين، يتعذر تقييم حجم الانكشاف المالي الذي لا تزال الشركة عرضة له في حال شهدت أسعار الوقود ارتفاعاً حاداً.

⚔️
سوق أكثر تنافسية

ولن يقتصر المشهد على الناقلين الحاليين؛ فثمة ناقلات اقتصادية جديدة في طريقها إلى السوق السعودية. إذ يعمل تحالف يضم العربية للطيران ونسما وكون على تأسيس شركة طيران مقرها الدمام، يستهدف الوصول إلى 57 وجهة دولية و24 وجهة داخلية بحلول 2030.
وتشمل الخطط أيضاً شركة طيران مقرها المدينة المنورة تتخصص في السياحة الدينية، وناقلاً ثالثاً لم يُعلن عنه بعد، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 لاستقبال 150 مليون زائر سنوياً.

وكلما زاد عدد خطوط الطيران نضجت السوق أكثر، لكن الضغط على أسعار التذاكر يبقى قائماً. وما لم تتحسن الإيرادات الإضافية وجودة الشبكة وكفاءة التكاليف بالوتيرة نفسها، فإن كل ناقل جديد سيقتسم مع الآخرين ربحية محدودة أصلاً، فتضيق هوامش الجميع بدلاً من أن تنمو.
 
ℹ︎
معايير تقييم نجاح اقتصاديات ما بعد التذكرة
●  نسبة المسافرين الذين يشترون خدمة خارج التذكرة.
●  متوسط الإيراد الإضافي لكل مسافر.
●  عدد الحجوزات والتجارب.
●  متوسط قيمة الطلب.
●  نسبة تكرار الاستخدام.
●  تطور المنصة من تجارب منفردة إلى باقات.
●  مساهمتها الفعلية في الإيرادات والربح.

🇮🇳
حجم كبير من دون إيرادات إضافية راسخة
درس إنـديجو الهنـدية

بالقياس إلى المؤشرات العالمية، يبدو النمط واضحاً حيث تحقق إيزي جيت (easyJet)، الناقل الاقتصادي البريطاني، من الكيلومتر المقعدي الواحد إيراداً إجمالياً قدره 5.71 بنس، منه 1.78 بنس مصدرها الإيرادات الإضافية؛ أي أن هذه الإيرادات تسهم بنحو ثلث هذا الإجمالي.
وتُظهر نتائج رايان إير (Ryanair)، الناقل الاقتصادي الإيرلندي، للسنة المالية 2025 إيرادات إضافية لكل مسافر بنحو 23.6 يورو، أي نحو 35% من إجمالي إيرادات التشغيل.

أما إنديجو (IndiGo)، أكبر شركة طيران اقتصادي في الهند، فتقدم المثال المعاكس، وتُظهر ما يحدث عندما ترتفع التكاليف بوتيرة أسرع من الإيرادات: فقد جاء إيراد الكيلومتر المقعدي لديها في السنة المالية 2026 أدنى قليلاً من تكلفته، أي إن الفارق انقلب من موجب إلى سالب، بعد عام سابق كان فيه هذا الفارق أوسع بكثير.
وتؤكد إير آسيا إكس (AirAsia X)، الذراع الماليزية للرحلات طويلة المدى ضمن مجموعة إير آسيا، عبر أرقامها المعلنة لإيراد الكيلومتر المقعدي وتكلفته، أهمية ضبط تكلفة الوحدة وبناء منظومات الإيرادات الإضافية في الحفاظ على هوامش الربح.




وتوفر الهند ودول مجلس التعاون الخليجي مرجعين للمقارنة أقرب إلى واقع الطيران الاقتصادي السعودي مما توفره أوروبا.
فقد بنت إنديجو الحصة الأكبر في سوقها ضمن بيئة سريعة النمو لا تزال بنيتها التحتية قيد التطوير، وهو وضع يشبه واقع السعودية اليوم. ويؤكد تحولها الأخير إلى خسارة صافية، رغم صدارتها للسوق، أن الحجم وحده لا يحمي هوامش الربح عندما ترتفع التكاليف بوتيرة أسرع من الإيرادات.

وتُثبت العربية للطيران وفلاي دبي أن نموذج الطيران الاقتصادي يمكن أن يكون مربحاً ضمن أطر تنظيم الطيران المعمول بها في المنطقة، من دون الحاجة إلى استنساخ النموذج الأوروبي القائم على تحرير السوق.
وتقف السعودية بين هاتين التجربتين: فقد بلغت حجماً مؤثراً بوتيرة أسرع من معظم الأسواق الناشئة، وهي تعمل حالياً على بناء منظومات مبتكرة بالفعل من الإيرادات الإضافية (كما سنوضح في التحليل الثاني من هذا العدد) ومعايير الإفصاح وعمق البنية التحتية التي تتسم بها الأسواق الأكثر نضجاً.



 
⚠️ ملاحظة: يحدد هذا الرسم موقع الناقلات السعودية مقارنة بنظيراتها الاقتصادية العالمية وفق بُعدين: الأول نضج الإيرادات الإضافية، والثاني، مستوى الإفصاح عن اقتصاديات الوحدة، استناداً إلى البيانات المتاحة للعموم. وتمثل رايان إير وإيزي جيت الحد الأعلى للمقارنة، فيما توفر إنديجو وإير آسيا مرجعين من الأسواق الناشئة. أما موقعا طيران ناس وطيران أديل فيستندان إلى مؤشراتهما المعلنة وإلى ما هو موثق من بيانات لم تُفصح عنها الشركتان بعد، لا إلى تصنيف رسمي في القطاع.
 

وتجدر الإشارة في سياق المقارنات الدولية إلى أن حركة الحج والعمرة تمنح الناقلات السعودية مخزوناً من الطلب قلّما يتوافر لأسواق أخرى. فقد حققت طيران ناس 584 مليون ريال من قطاع الحج في 2025، فيما نقلت طيران أديل نحو 220 ألف مسافر من الحجاج والمعتمرين، بنموٍ تجاوز الضعف على أساس سنوي. وهذا الحجم من الحركة ذو قيمة استراتيجية، لكنه يجعل جانباً من الطلب موسمياً، ويُلزم الشركات بإعادة بناء جداول رحلاتها حول مواسم الذروة؛ وهو تحدٍّ نادراً ما تعرفه شبكات الطيران الاقتصادي الأوروبية التي تعمل بوتيرة شبه ثابتة على مدار العام.
ولا تنفصل هذه المعادلة عن واقع البنية التحتية. فقد استقبلت المطارات السعودية 140.9 مليون مسافر في 2025، عبر شبكة مطارات لا تزال قيد التوسعة. وتحتاج الاستثمارات الجديدة في المطارات إلى وقت قبل أن توفر ما يقوم عليه الطيران الاقتصادي الناضج: سرعة في تجهيز الطائرة بين رحلة وأخرى، ورسوم منخفضة، وإجراءات موحدة.
أقرأ أيضــــاً
طيران ناس دخلت تداول بمقعد، لكن الإيرادات الإضافية لم تعد خيارا أمامه
طيران ناس دخلت تداول بمقعد، لكن الإيرادات الإضافية لم تعد خيارا أمامه
تقوم المعادلة الاقتصادية لشركات الطيران منخفضة التكلفة على خفض تكلفة المقعد الواحد إلى أدنى مستوى ممكن، بما يسمح بتقديم سعر يجعل السفر نفسه دافعا للطلب ومن ثم تعظيم ما تحققه الشركة من المسافر بعد الحجز.
Facebook
Twitter
LinkedIn
Instagram
YouTube
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة