|
يشكل استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في المملكة للكهرباء بالتعرفة المدعومة معادلة اقتصادية دقيقة، إذ يعادل عائد هذا الاستهلاك أقل من نصف القيمة التصديرية للنفط المكافئ. ولا تظهر هذه الفجوة كعجز في القوائم المالية، بل كـ "تكلفة فرصة بديلة" تتطلب موازنة استراتيجية بين دعم قطاع التقنية الواعد وتعظيم عوائد التصدير المباشرة. تتبنى المملكة استراتيجية طموحة لإحلال الغاز الطبيعي محل النفط الخام في محطات التوليد، بهدف تعزيز كفاءة الطاقة وتحرير الموارد النفطية للتصدير. وفي هذا السياق، يمثل برنامج أرامكو لتطوير الغاز، وبخاصة حقل الجافورة، ركيزة أساسية يتوقع أن تساهم في توفير نحو 500 ألف برميل يومياً عند بلوغ كامل طاقته الإنتاجية، مما يدعم التوازن الاستراتيجي بين تلبية الطلب المحلي وتعظيم العوائد التصديرية. يمثل نمو الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات متغيراً يؤثر في وتيرة إحلال الغاز، فاستهلاك الغاز لتلبية هذا الطلب يحد من توفره لاستبدال النفط في محطات التوليد الأخرى، مما يبقي على تشغيلها بالوقود السائل ويؤجل تحريره للتصدير. ويمكن تقييم هذا الأثر عبر مسارين، يعتمد الأول على "مقياس أساسي" يحسب المكافئ الحراري المباشر بنحو برميل واحد لكل ميغاوات/ساعة. بينما يفترض الثاني "سيناريو أعلى" يربط تخصيص الغاز بتشغيل محطات حديثة ذات كفاءة مرتفعة لتحل محل محطات أقل كفاءة، لتصل تكلفة الفرصة البديلة في هذا المسار إلى ما بين 1.53 و1.78 برميل لكل ميغاوات/ساعة، وهي فرضية مشروطة بمدى نجاح عمليات استبدال المحطات القديمة على أرض الواقع. ![]() حجم الأثر ويمكن تحليل هذا الأثر عملياً عبر نموذج شركة "هيوماين" — المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة — والتي أعلنت عن مستهدفات طموحة تعد الأعلى بين المشغلين المحليين، وتتمثل في تشغيل مراكز بيانات بقدرة 1.9 جيغاوات بحلول عام 2030، ترتفع إلى 6.6 جيغاوات بحلول 2034. وعند تشغيل مستهدف عام 2030 (1.9 جيغاوات) بطاقته القصوى، سيصل حجم الاستهلاك إلى ما بين 0.25 و0.28 مليار قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً، وهو ما يتجاوز 2% من إجمالي إنتاج المملكة لعام 2025، ويعادل تقريباً كامل إنتاج المرحلة الأولى من حقل الجافورة. ومن منظور الفرصة البديلة، فإن هذه الكمية كانت كفيلة بتحرير ما بين 45 و49 ألف برميل يومياً من النفط للتصدير وفق المقياس الأساسي، أو ما بين 70 و81 ألف برميل وفق السيناريو الأعلى، مما يمثل حصة تراوح بين 9% و16% من إجمالي مستهدفات التوفير التي أعلنتها أرامكو والبالغة 500 ألف برميل. أما عند الوصول إلى مستهدف 6.6 جيغاوات في عام 2034، فإن هذه الحصة ستتصاعد لتشكل نحو الثلث 31-34% في المقياس الأساسي، ونحو النصف 49-56% في السيناريو الأعلى. وإذا وصل المستهدف إلى قرابة 3 جيغاوات بحلول 2030، بحسب الشركة، فإن الحصص المتوقعة لعام 2030 ستنمو لتتراوح بين 14% و26%. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقديرات تخص شركة "هيوماين" بمفردها، وستضاف إليها لاحقاً مساهمات المشغلين الآخرين في السوق. ![]() فجوة السعر اعتمد تقييمنا المالي على متوسط السعر الذي حققته شركة أرامكو لخامها خلال الربع الثاني من عام 2026، والبالغ 108.1 دولار للبرميل. وبناءً على هذا المتوسط، تُقدر قيمة النفط المكافئ لكل ميغاوات/ساعة ما بين 106 و116 دولاراً وفق المقياس الأساسي، وترتفع لتتراوح بين 166 و193 دولاراً في السيناريو الأعلى. وفي المقابل، تبلغ التعرفة الرسمية المقررة لكهرباء مراكز بيانات الحوسبة السحابية 18 هللة لكل كيلووات/ساعة (ما يعادل 48 دولاراً لكل ميغاوات/ساعة)، وهي نسبة تغطي ما بين 41% و45% من قيمة النفط المكافئ في المقياس الأساسي، وما بين 25% و29% في السيناريو الأعلى. وللوصول إلى نقطة التعادل مع قيمة النفط، يتطلب الأمر تعديل التعرفة لتصبح ما بين 40 و43 هللة، في حين تتراوح تعرفة التعادل ما بين 33 و36 هللة عند احتساب السعر الأدنى للنفط في النصف الأول والبالغ 90.1 دولار، علماً بأن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل تضيف قيمة تماثلها تقريباً لكل ميغاوات/ساعة. وعلى الصعيد السنوي، يظهر هذا التباين بوضوح عند تطبيق المعادلة على مستهدف الـ 1.9 جيغاوات، إذ تبلغ قيمة النفط المكافئ ما بين 1.8 و1.9 مليار دولار في المقياس الأساسي، مقارنة بنحو 0.8 مليار دولار فقط يتم سدادها كقيمة فعلية لاستهلاك الكهرباء. جدير بالذكر أن تعرفة الـ 18 هللة تُتخذ في هذا التحليل كمرجع قياسي فقط، كونها أُقرت بموجب قرار مجلس الوزراء عام 2021 للمشغلين المرخصين آنذاك وللطلبات المقدمة قبل نهاية عام 2023. وحيث إن شركة "هيوماين" قد أُطلقت في عام 2025، فإن التعرفة الفعلية المطبقة عليها لم يجرِ الإفصاح عنها رسمياً بعد. ![]() التكلفة ليست ثابتة وتتضاعف هذه الالتزامات الاقتصادية في أوقات الذروة الموسمية، حيث يرتفع الطلب المحلي على الكهرباء بنحو ثلاثة أرباع خلال فصل الصيف، في حين تحافظ مراكز البيانات على نمط استهلاك ثابت ومستمر طوال العام. وفي فترات التخصيص المكثف للموارد، يتم تلبية الطلب الإضافي عبر محطات التوليد بالوقود السائل، مما يرفع معدل الاستهلاك المباشر إلى نحو 1.8 برميل لكل ميغاوات/ساعة. وقد أبرزت التطورات الجيوسياسية في مضيق هرمز عام 2026 سرعة تأثر هذه المعادلات، إذ شهد إنتاج الغاز في الربع الثاني تراجعاً بنحو 0.82 مليار قدم مكعبة يومياً مقارنة بنهاية 2025، وهو ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف الاحتياج التشغيلي لـ 1.9 جيغاوات، مما استدعى الاعتماد على واردات وقود بديلة لتغطية الاحتياجات المحلية. ورغم الدور المحوري لتقنيات تخزين الطاقة في تخفيف هذه الضغوط، فإن استمرارية تشغيل مراكز البيانات خلال ساعات غياب الشمس (لمدة 14 ساعة تقريبا) بقدرة 1.9 جيغاوات تتطلب سعة تخزينية تصل إلى 31 جيغاوات/ساعة. وتُمثل هذه السعة نحو 1.7 ضعف القدرة التشغيلية الحالية للشركة السعودية للطاقة بمنتصف 2026، وتستوعب قرابة 65% من المستهدفات الوطنية لقطاع التخزين بحلول عام 2030. ⁉️ ما الذي قد يغيّر النتيجة؟ تسهم المتغيرات التشغيلية في ضبط هذه التقديرات، فالتشغيل عند 80% يخفض استهلاك المقياس الأساسي إلى ما بين 36 و39 ألف برميل يومياً. وفي المقابل، إذا كانت الـ 1.9 جيغاوات مقتصرة على الحوسبة، فإن إجمالي احتياج المنشأة سيرتفع إلى 2.7 جيغاوات، ليتصاعد التوفير المحتمل إلى ما بين 63 و68 ألف برميل، دون تغيير في التكلفة النوعية للميغاوات/ساعة. ويتطلب تحقيق الجدوى الاقتصادية أن يولد قطاع الذكاء الاصطناعي قيمة مضافة لا تقل عن 110 دولارات لكل ميغاوات/ساعة، وفق حساباتنا، تغطي التعرفة منها 48 دولاراً، بينما يُعول على التطبيقات والقدرات الحاسوبية لتغطية الفجوة المتبقية (58-68 دولاراً). وترتبط الرؤية المستقبلية لهذه المعادلات بثلاثة مؤشرات رئيسية: ◉ مستقبل التعرفة: ستكشف أسعار ربط مراكز البيانات الجديدة — التي تقدمت بطلباتها بعد انتهاء مهلة التسهيلات السابقة بنهاية 2023 — عن توجه الدولة بشأن آلية إدارة هذه الفجوة التنظيمية وتوزيع تكاليفها. ◉ إمدادات الغاز: ستوضح نتائج أرامكو للربع الثالث، المتوقعة مطلع نوفمبر، مدى تعافي مستويات الإنتاج. ◉ معدلات الحرق الصيفي: يظل حجم الوقود السائل المستهلك صيفاً المؤشر العملي الأبرز، فتراجعه المأمول يعكس كفاءة المنظومة، بينما استمراره يثبت تحديات الفرصة البديلة. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |
|
احصل على النسخة الكاملة من الورقة البحثية لأرقام إنتليجنس حمّل الآن |