|
من أكثر المواقف إرباكاً للقائد أن يرى في أحد موظفيه قدرة أكبر مما يظهره أداؤه الحالي. تعرف أنه يستطيع أكثر، فتمنحه مساحة أكبر. توسع صلاحياته، تشركه في قرارات أهم، تتوقف عن إعطائه التعليمات التفصيلية، وتقول له بوضوح: القرار عندك. تنتظر أن يبادر، لكنه ينتظر. تعطيه مساحة للحركة، فيبقى في مكانه. تضع أمامه مشكلة، فيعيدها إليك في صورة سؤال: ماذا تريدني أن أفعل؟ فتبدأ رحلة البحث عن السبب. ربما يحتاج إلى تدريب؟ فتدربه. ربما يحتاج إلى Coaching؟ فتخصص له الوقت. ربما كنت تمارس معه Micromanagement؟ فتتراجع وتمنحه استقلالية أكبر. ومع ذلك، لا يحدث التحول الذي تنتظره. وهنا يظهر احتمال لا نحب كثيراً مواجهته في الإدارة: ماذا لو لم تكن المشكلة أنه لا يستطيع أن يتحرك، ولا أن المنظمة تمنعه من الحركة، بل أنه ببساطة لا يريد الحركة التي نريدها منه؟ لفهم هذه المعضلة، تخيل المنظمة للحظة كأنها رقعة شطرنج. في الشطرنج، تبدأ المباراة برقعة واحدة، لكن بقطع مختلفة وقواعد حركة مختلفة. هناك البيدق Pawn، محدود الحركة، يتقدم خطوة ويؤدي وظيفة واضحة ضمن مساحة صغيرة من الرقعة. وهناك الحصان Knight، الذي يستطيع المناورة والقفز فوق القطع والوصول إلى مساحات لا تصل إليها بقية القطع بالطريقة نفسها. وهناك القلعة Rook التي تصبح شديدة التأثير عندما تُفتح أمامها المسارات، والفيل Bishop الذي يرى الرقعة ويتحرك عبر أقطارها، ثم الوزير Queen الذي يمتلك أوسع نطاق للحركة والتأثير. لا يعني ذلك أن البيدق قطعة سيئة، أو أن الوزير قطعة “أفضل” بالمعنى المطلق. فالشطرنج لا يُلعب بستة عشر وزيراً، والمنظمات لا تُبنى من ستة عشر قائداً استراتيجياً. قيمة كل قطعة تأتي من قدرتها على أداء الحركة التي تحتاجها الرقعة في اللحظة المناسبة. ومن هنا تصبح رقعة الشطرنج استعارة مفيدة لفهم المنظمات: لدينا أدوار مختلفة، ومستويات مختلفة من الاستقلالية والتأثير، وأشخاص اعتادوا عبر سنوات على أنماط معينة من الحركة. ![]()
🔎 المشكلة تبدأ عندما تتغير الرقعة، بينما يبقى الأشخاص في أماكنهم. لنتخيل مديراً أمضى سنوات في منظمة مستقرة. كان دوره واضحاً: يتلقى التوجيه، يحوله إلى مهام، يتابع التنفيذ، يرفع المشاكل، وينتظر القرار عندما يخرج الموضوع عن نطاقه المعتاد. وربما كان ممتازاً في ذلك، وحصل على ترقياته نتيجة إتقانه لهذا النمط. لم يكن هناك شيء خاطئ في أدائه؛ فالمنظمة نفسها كانت مصممة وفق منطق بسيط: Execute → Report → Escalate. ثم تغيرت المؤسسة. دخلت استراتيجية جديدة، زاد عدد المبادرات، أصبحت البيئة أسرع وأكثر تعقيداً، ولم يعد ممكناً أن تمر كل القرارات عبر الإدارة العليا. فجأة أصبحت المنظمة تريد من المدير نفسه شيئاً مختلفاً تماماً: أن يمتلك النتيجة، ويتخذ القرار، ويقود فريقه، ويتوقع المشكلة قبل وقوعها. انتقلت متطلبات الدور من Execute → Report → Escalate إلى Own → Decide → Lead → Anticipate. بلغة الشطرنج، الخانة التي كانت تقبل حركة البيدق أصبحت تحتاج إلى حركة الحصان. وهنا يقع أحد الأخطاء الشائعة في إدارة التغيير. يرى المدير الأعلى أن لدى هذا الشخص إمكانات أكبر، فيقرر أن “يمكّنه”. يعطيه صلاحيات أوسع، يدخله في اجتماعات أهم، ويطلب منه أن يكون أكثر Strategic، ويكرر عليه عبارات أصبحت مألوفة في المؤسسات: Take Ownership، Be Proactive، لا تنتظرني، القرار عندك. ثم تمر الأسابيع، ويكتشف أن شيئاً جوهرياً لم يتغير. تعطيه مشكلة فيسألك ماذا يفعل. تعطيه مشروعاً فينتظر منك تحديد الخطوات. تطلب منه بناء خطة فيعود إليك ليسأل عن شكل الخطة. تمنحه صلاحية اتخاذ القرار، فيرفع القرار إليك للحصول على الموافقة. وكلما فتحت أمامه مساحة أكبر، لم يستخدم منها إلا الجزء الذي اعتاد عليه. هنا يصبح السؤال: لماذا لا تتحرك القطعة رغم أننا فتحنا أمامها الرقعة؟ ![]()
⁉️ هل يستطيع؟ هل يريد؟ وهل تسمح له الرقعة؟ هنا تقدم AMO Framework عدسة مفيدة جداً لفهم المشكلة. الفكرة الأساسية في النموذج أن الأداء يتأثر بثلاثة أبعاد: Ability × Motivation × Opportunity. وبصياغة إدارية أبسط: Can they? Will they? Are they allowed to? هل يستطيع الشخص أداء الدور؟ هل يريد بذل الجهد والتحرك؟ وهل توفر له المنظمة فعلياً المساحة والصلاحيات والموارد التي تسمح له بذلك؟ وعلى رقعة الشطرنج تصبح الأسئلة أكثر وضوحاً: هل القطعة تعرف كيف تتحرك؟ هل تريد أن تتحرك؟ وهل الرقعة مفتوحة أمامها؟ قد يكون لدينا أولاً مدير يريد فعلاً أن يصبح أكثر استقلالية وقيادة، لكنه ببساطة لا يعرف كيف. تراه يبادر ويحاول ويتحمل المسؤولية، لكن قراراته ما زالت ضعيفة، أو لا يعرف كيف يفوض، أو يجد صعوبة في إدارة أصحاب المصلحة، أو لا يستطيع بعد تحويل التوجه الاستراتيجي إلى أولويات واضحة لفريقه. هنا تكون Motivation مرتفعة، وOpportunity موجودة، لكن Ability لم تنضج بعد. هذا الشخص لا يحتاج إلى من يدفعه إلى الحركة؛ هو يتحرك بالفعل، لكنه يحتاج إلى تحسين جودة حركته. وهنا يصبح Training وCoaching وMentoring وStretch Assignments استثماراً منطقياً. لكن هناك حالة ثانية مختلفة تماماً. قد يكون لديك مدير قادر ومتحمس، إلا أن المنظمة نفسها لا تسمح له بالحركة. تقول له: “خذ Ownership”، وعندما يتخذ قراراً تسأله لماذا لم يرجع إليك. تطلب منه المبادرة، ثم تتدخل في كل تفاصيل المبادرة. تقول له إنه مسؤول عن فريقه، بينما التوظيف والميزانية والأولويات ليست بيده، وأعضاء فريقه يستطيعون تجاوز سلطته والعودة مباشرة إلى مديره الأعلى. في هذه الحالة تكون Ability وMotivation موجودتين، لكن Opportunity منخفضة. المشكلة ليست في القطعة؛ The board is blocking the piece. وهذه من أكثر المفارقات شيوعاً في المؤسسات: أن نطلب Accountability من المديرين دون أن ننقل إليهم ما يكفي من Authority. ثم نحاول معالجة المشكلة بدورة Leadership أو Coaching جديد، بينما ما يحتاجه المدير فعلياً هو Decision Rights، Resources، Information وOrganizational Space. لا يمكنك أن تطلب حركة الحصان بينما تحاصر القطعة من كل الجهات. ثم نصل إلى الحالة الثالثة، وهي الأصعب على القائد تقبلاً: الشخص يستطيع، والرقعة مفتوحة أمامه، لكنه لا يريد الحركة. قد يكون أمامك شخص ذكي وخبير، يعرف العمل جيداً، ويمتلك المهارات اللازمة. وقد أعطيته الصلاحية، وفتحت أمامه المجال، وأوضحت أنك تثق بقراراته. ومع ذلك، لا يتحرك إلا عندما تحركه. تطلب منه أن يضع الخطة فينتظر، وأن يشكل الفريق فينتظر، وأن يقترح الحل فينتظر، وأن يتخذ القرار فيعيد القرار إليك. هنا يكون لدينا High Ability + High Opportunity + Low Motivation. والخطأ الذي يقع فيه كثير من المديرين هو الاستمرار في استخدام الأدوات نفسها. نعطي الموظف المزيد من الـCoaching، ثم Training إضافياً، ثم مساحة وصلاحيات أكبر، ولا يتغير شيء. والسبب أننا نحاول معالجة M بأدوات صُممت لمعالجة A وO. التدريب يعالج نقصاً في المعرفة والمهارة، والتطوير والـCoaching يساعدان في بناء القدرة والوعي، والـEmpowerment يوسع المساحة والصلاحية؛ لكن أياً من ذلك لا يستطيع بمفرده أن يصنع رغبة مستدامة لدى شخص لا يريد أصلاً ذلك النوع من المسؤولية.
🔦
ربما أنت تريد له الدور أكثر مما يريده هو وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية. قد ترى في الموظف إمكانات كبيرة، وتعتقد أنه قادر على قيادة إدارة كاملة، فتفتح أمامه الأبواب، وتشركه في قرارات أكبر، وتدافع عن قدراته أمام الإدارة، وتمنحه فرصاً جديدة. ثم تكتشف تدريجياً أنك أصبحت الشخص الأكثر اهتماماً بتطوره. أنت من يطلب منه المبادرة، وأنت من يذكره بالفرص، وأنت من يدفعه لاتخاذ القرار، وأنت من يصنع له المساحة، ثم أنت أيضاً من يتابع هل استخدمها. عند هذه النقطة يستحق الأمر طرح سؤال غير مريح: ماذا لو كنت أريد له أن يصبح حصاناً أكثر مما يريد هو أن يصبح حصاناً؟ هنا قد لا تكون المشكلة Motivation بمعناها البسيط، أي الحماس أو الرغبة في بذل جهد إضافي. قد تكون المسألة أقرب إلى Aspiration: هل يريد الشخص أصلاً نطاقاً أكبر من المسؤولية والتأثير والتعقيد؟ نحن نفترض أحياناً أن الجميع يريد الترقية والصلاحيات والفريق الأكبر والدور الأكثر استراتيجية، لكن هذا الافتراض ليس صحيحاً دائماً. قد يمتلك الشخص القدرة على مستوى أعلى من المسؤولية، لكنه لا يريد هذا المستوى من المسؤولية. وهنا يصبح التمييز بين Potential وAspiration ضرورياً: أن ترى فيه القدرة لا يعني أن لديه الرغبة. وهذا لا يجعل منه موظفاً سيئاً. المنظمة تحتاج إلى أشخاص يحبون الوضوح، وينفذون بجودة عالية، ويتقنون نطاقاً محدداً من العمل، ولا يريدون إدارة عشرين شخصاً أو التعامل مع الغموض التنظيمي أو تحمل قرارات عالية المخاطر. وقد يكون هؤلاء من أفضل موظفي المؤسسة وأكثرهم موثوقية. المشكلة ليست في كون الشخص “بيدقاً”. المشكلة تبدأ عندما يكون لدينا دور يحتاج إلى حصان، ونصر على إبقاء شخص لا يريد تلك الحركة في الخانة لأننا نعتقد أننا نستطيع إقناعه بها. عندها تنتقل المسألة من Development إلى Person–Role Fit.
♟️
أخطر ما يمكن أن تفعله هو أن تتحرك نيابة عنه عندما لا يتحرك المدير، يميل مديره الأعلى بصورة طبيعية إلى التعويض. يبدأ بوضع الخطة له، وتحديد الأولويات، وحل المشكلات، والتدخل عندما تتعطل الأمور، ثم التواصل مباشرة مع أعضاء فريقه حتى يضمن استمرار العمل. وفي المدى القصير يبدو هذا السلوك فعالاً، لأن النتائج تتحقق والمشاريع لا تتوقف. ![]() لكن المنظمة تدفع ثمناً خفياً. يصبح لدينا مع الوقت Managerial Title + Individual-Contributor Behavior + Senior Leader Compensating for the Gap. لدينا مدير بالاسم، بينما المدير الأعلى أصبح المدير الفعلي لفريقه. والأسوأ أن هذا السلوك قد يخلق حلقة من Learned Dependence: كلما تدخل المدير الأعلى أكثر، احتاج المدير إلى المبادرة أقل؛ وكلما قلت مبادرته، وجد المدير الأعلى نفسه مضطراً إلى التدخل أكثر. وهنا يتحول ما بدأ كمحاولة لتمكين الموظف إلى اعتماد متبادل غير صحي تنظيمياً. أنت لم تعد تطور الحصان؛ أنت أصبحت تحرك القطعة بيدك في كل نقلة.
❓ قبل أن تغيّر القطعة، افحص الرقعة لهذا لا ينبغي أن نقفز سريعاً إلى استنتاج أن الشخص غير مناسب. القيمة الحقيقية لـAMO أنه يجبر المدير على التشخيص قبل الحكم. إذا كان الموظف لا يستطيع، فهذه فجوة Ability، والاستجابة الطبيعية هي التطوير. وإذا كان يستطيع ويريد، لكن النظام لا يسمح له، فهذه فجوة Opportunity، والمسؤولية تقع بدرجة كبيرة على تصميم المنظمة والصلاحيات. أما إذا كان يستطيع، وأُعطي مساحة حقيقية للحركة، لكنه باستمرار لا يريد تحمل هذا النوع من المسؤولية، فنحن أمام مسألة مختلفة تتعلق بالـMotivation وAspiration، وربما في النهاية بالـRole Fit. وهنا يجب ألا يستمر الـCoaching إلى ما لا نهاية. فبعد فترة عادلة من وضوح التوقعات، وإتاحة الفرصة، وتقديم الدعم، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بتطوير الفرد وأكثر ارتباطاً بتصميم المنظمة: هل هذا هو الشخص المناسب للدور الذي أصبحت المنظمة تحتاجه؟ هذا السؤال يصبح أكثر أهمية أثناء التحولات المؤسسية. فنحن عندما نتحدث عن Transformation نميل إلى التفكير في الاستراتيجية، والتكنولوجيا، والهيكل التنظيمي والـOperating Model، لكن التحول يغير أيضاً نوع الحركة المطلوبة من الأشخاص. المدير الذي كان ناجحاً جداً في منظمة الأمس قد لا يكون بالضرورة المدير الذي تحتاجه منظمة الغد، ليس لأنه أصبح أقل ذكاءً أو كفاءة، بل لأن اللعبة تغيرت، والخانة تغيرت، وطريقة الحركة المطلوبة تغيرت. وهنا تصبح رقعة الشطرنج أكثر من مجرد استعارة لطيفة. إنها تذكير بأن القائد يحتاج دائماً إلى التمييز بين شخص يريد الحركة لكنه لا يعرفها، وشخص يعرف الحركة لكن الرقعة تمنعه، وشخص يعرف الحركة والرقعة مفتوحة أمامه، لكنه لا يريدها. الأول يحتاج إلى Development، والثاني إلى Empowerment وإزالة العوائق، أما الثالث فيحتاج إلى حوار صريح حول Motivation، Aspiration وRole Expectations، وربما في النهاية إلى إعادة النظر في Person–Role Fit. فقد لا تخسر المنظمة المباراة لأن لديها قطعاً ضعيفة؛ بل لأنها أمضت وقتاً طويلاً تنتظر من قطعة أن تتحرك بطريقة لم ترغب يوماً في أن تتحرك بها.
ملاحظة: جميع الأفكار والطروحات الواردة في هذا المحتوى مبنية على خبرات ومعارف شخصية ومهنية ، ولحقيقة أنني لست كاتباً متخصصاً فقد تم الاستعانة بنماذج الذكاء الاصطناعي في صياغتها وتنظيمها لغويًا. |
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |