|
إليك مفارقة رقمية تختصر واقع الاقتصاد الرياضي اليوم:
الفجوة بين الرقمين بناءً على قيمة المنشأة تقارب 147 ضعفاً لصالح شركة الألعاب. التفسير الأول الذي يقفز إلى الذهن هو أننا نقارن بين شركة تقنية عالمية عابرة للقارات ونادٍ رياضي محلي. تفسيرٌ مريح ومألوف، لكنه يفشل في تفسير آلية توليد واحتجاز القيمة الرأسمالية بين الطرفين. الطرفان لا يبيعان منتجين مختلفين؛ كلاهما يبيع السلعة نفسها تماماً: شغف الناس بكرة القدم. الجمهور هو نفسه، والنجوم هم أنفسهم، ومشاعر الانتماء ذاتها. الفارق الحقيقي إذن ليس في ما يُباع، بل في من يحتفظ بالمال في النهاية. المسألة إذن في بنية النشاط نفسه. فالنادي حين ترتفع إيراداته لا يحتفظ بالزيادة، بل تنتقل معظمها سريعاً إلى اللاعبين الذين صنعوها، في صورة رواتب وعقود جديدة. وليس ذلك خياراً سيئاً للإدارة، بل شرطاً للبقاء في المنافسة: من يدفع أقل، يحلّ في مركز أدنى، فيخسر الإيراد الذي أراد الاحتفاظ به. أما شركة الألعاب فلا فريق لديها أصلاً. تدفع رسم ترخيص متفقاً عليه للأندية والرابطات مقابل استخدام الأسماء والشعارات، وهو مبلغ ثابت لا يرتفع كلما ارتفعت المبيعات. فهل فعلا كل ريال إضافي يدخل، ليبقى؟ يدفع الجمهور، ثم يخرج المال من النادي إلى اللاعبين. فإلى أين يخرج من شركة ألعاب بحجم إليكترونيك آرتس بعد الصفقة الأخيرة مع صندوق الاستثمارات العامة؟ 🔎 الثلثان اللذان يخرجان فوراً من النادي انظر إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، الأغنى في العالم. سجّل في الموسم الماضي إيرادات قياسية بلغت 6.8 مليار جنيه إسترليني، خرج منها 4.4 مليار جنيه إلى اللاعبين أجوراً، أي نحو الثلثين، قبل أي مصروف آخر: الانتقالات، والأجهزة الفنية، وتشغيل الملاعب، والضرائب.
فلماذا لا تدفع الأندية أقل؟ لأن الأجر هنا ليس بنداً يمكن ضغطه، بل هو ما يشتري النتيجة. تُظهر بيانات عقد كامل أن ما ينفقه النادي على الأجور مقارنةً بمنافسيه يفسّر وحده نحو 90% من الفروق في ترتيب الدوري. فالنادي الذي يخفض أجوره لا يوفّر المال فحسب، بل يهبط في الترتيب، فتقلّ حصته من جوائز البطولة وحقوق البث وقيمة رعاياته. أي أنه يخسر الإيراد الذي أراد الاحتفاظ به. ولهذا لا يبدأ أحد بالتخفيض. كل نادٍ ثريّ يعرف ذلك، وكلهم يتنافسون على العدد المحدود نفسه من اللاعبين القادرين على حسم المباريات. ![]() 🔦 وعلى الجانب الآخر من الملعب إلكترونيك آرتس تبيع كرة القدم نفسها، للجمهور نفسه، وليس لديها فريق تدفع أجوره. انظر إلى بنية دخلها في سنتها المالية الأخيرة كشركة مدرجة: إيرادات بلغت 7.531 مليار دولار، بهامش ربح إجمالي ناهز 79%، وتدفقات نقدية تشغيلية وصلت إلى 2.553 مليار دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف صافي الربح المعلن. والأهم من الحجم هو مصدره. فمعظم هذا الدخل لم يأتِ من بيع اللعبة، بل مما يُنفق داخلها بعد شرائها: 71% من الإيرادات، وأكبر مصدر منفرد لها هو حزم اللاعبين، تلك الأظرف الرقمية المغلقة التي يشتريها المستخدم دون أن يعرف أي بطاقة ستخرج منها. وكل حزمة إضافية تُباع لا تكلّف الشركة شيئاً يُذكر. لا مزايدة، ولا وكلاء، ولا عقد تجديد لمهاجم مثل رونالدو أو ميسي أو صلاح. هنا كان يمكن أن تنتهي القصة، وأن تُقرأ الصفقة بوصفها خروجاً نظيفاً من اقتصاد يبتلع رأس المال إلى اقتصاد يحتفظ به.
💸 ثم تأتي الديون اعتمدت صفقة الاستحواذ على إلكترونيك آرتس EA على دَين قدره 20 مليار دولار، تتحمّله إلكترونيك آرتس نفسها لا المستحوذ. ونتيجة لذلك، يخرج نحو 1.25 مليار دولار سنوياً في صورة فوائد، أي ما يقارب نصف التدفق النقدي التشغيلي، قبل أن يصل أي منه إلى المالك. تتميز تكاليف الأجور بالمرونة، إذ يمكن للنادي خفضها كخيار تشغيلي وإن كان المقابل تراجعاً في الترتيب الرياضي. أما تكاليف التمويل وخدمة الدين بفوائده فهي التزامات ثابتة وحتمية، لا ترتبط بكفاءة الموسم الرياضي، ولا تقبل التأجيل أو إعادة التفاوض. بل إن حجم هذا الدين نفسه محلّ خلاف: جهتان للتحليل الائتماني تقرآن الإفصاحات ذاتها، فتقدّره إحداهما بنحو ستة أضعاف الأرباح، وتقدّره الأخرى بما يصل إلى أحد عشر ضعفاً. والفجوة بينهما ليست خلافاً حسابياً، بل خلاف على متانة الأرباح ذاتها، كما سنوضح في ورقتنا البحثية. ![]() ⁉️ هذا السؤال الذي نتركه لك كيف قيّدت اللوائح المالية الجديدة في لندن والرياض قدرة ملاك الأندية على المناورة المالية؟ وإذا كان اللاعبون يأخذون حصتهم قبل مالك النادي، والدائنون يأخذون حصتهم قبل مالك الشركة، فما الذي تغيّر في موقع المالك؟ |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |