|
السؤال ذو الأهمية الاقتصادية ليس ما إذا كانت الإمدادات ستعود، بل ما مقدار ما سيعود منها، وعلى أي جدول زمني. وتشير تحليلات قطاع الطاقة الصادرة في مايو/أيار 2026 إلى أنه في ظل سيناريو اضطراب ممتد حتى نهاية العام — حال استمرار النزاع بين إيران والولايات المتحدة — يبقى أكثر من 11 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات خارج الإنتاج على مستوى العالم، مع انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة قد تصل إلى 0.4 في المئة. وحتى في أكثر سيناريوهات التسوية تفاؤلًا، يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 3 في المئة في عام 2025 إلى 2.3 في المئة في عام 2026. وتقع المملكة العربية السعودية في قلب كلا السيناريوهين: فهي تملك أكبر حصة من الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخام عالميًا، وتمتلك عبر خط الأنابيب الشرقي–الغربي أهم بنية تحتية للالتفاف حول مضيق هرمز. ومدى سرعة واكتمال استعادتها لإنتاجها ليس مسألة ثانوية، بل هو المتغير الأساسي في أي توقّع موثوق لتعافي الإمدادات العالمية.
🔍
ما وراء صدمة الأسعار ما يجري تحت الأرض ثمة فارقٌ لا تُدرجه السوق في تسعيرها: بين منتجٍ يخفّض إنتاجه على نحوٍ منظَّم ومتدرّج، وآخر يُضطر إلى التوقّف المفاجئ حين تمتلئ سعات التخزين وتتوقّف الصادرات. بدأ حقل الرميلة العراقي — أحد أكبر حقول العالم — بإيقاف عملياته في 3 مارس/آذار 2026، لا بسبب أضرارٍ لحقت بالبنية التحتية، بل لأن الناقلات تعذّر عليها مغادرة المضيق وامتلأت سعات التخزين البرّية. وهذا توقّفٌ قسريٌّ غير مخطَّط له. فحين يتوقّف الإنتاج فجأةً في حقول تعتمد على حقن الماء أو الغاز المُدار بعناية لدفع النفط نحو قاع البئر، يختلّ نظام الحقن؛ وقد تتحرّك السوائل المحقونة على نحوٍ غير متوقَّع، فتلتفّ أحيانًا على المناطق الغنية بالنفط كلّيًّا عند استئناف الإنتاج — وهو خطرٌ موثَّق في أدبيات هندسة المكامن النفطية عند الإغلاق غير المُدار. فالخفض المخطَّط له ضمن تحالف أوبك+ يدير برامج الحقن وفق تسلسلٍ منظَّم، أما الإغلاق القسري الذي يفرضه امتلاء التخزين فيحول دون ذلك. ![]() 🇸🇦 خط الأنابيب يُغيّر مخاطر المملكة، لكنه لا يُزيلها. وبفضل خط الأنابيب الشرقي–الغربي، تملك المملكة العربية السعودية مخرجًا جزئيًا من الفخّ اللوجستي الذي دفع العراق والكويت إلى توقّفاتٍ إنتاجية مفاجئة وغير مُدارة؛ ولذلك تختلف المخاطر على مكامنها اختلافًا جوهريًا عمّا تواجهه دول الخليج العربي المجاورة — وإن لم تكن منعدمة. وينقل خط الأنابيب ما يصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا إلى ينبع، يُتاح منها نحو 5 ملايين برميل للتصدير بعد خصم احتياجات التكرير المحلي ومراعاة قيود محطات التصدير. وتبلغ الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة للمملكة نحو 12 مليون برميل يوميًا، والفجوة بينها وبين ما يُتاح للتصدير — نحو 7 ملايين برميل يوميًا — تمثّل إنتاجًا يتعذّر تصديره عبر مسار الالتفاف، فلا بدّ من تخزينه أو توجيهه إلى الاستهلاك المحلي أو خفضه. وهذه فجوة يمكن التحكّم فيها في ظل اضطرابٍ قصير الأمد. أما في ظل إغلاقٍ ممتد، فهي ما يحدّد المدة التي يمكن للمملكة خلالها مواصلة خفضٍ مُدارٍ ومنظَّم قبل أن تصبح إدارة الإنتاج مقيَّدة فعلًا. ومنذ عام 2022 استمرت المملكة العربية السعودية في الإنتاج عند مستوياتٍ أدنى بكثير من طاقتها الإنتاجية القصوى المستدامة، التزامًا بحصص تحالف أوبك+، وهو ما يوفّر هامشًا تشغيليًا مهمًا: فالحقول التي تعمل أصلًا بمعدّلاتٍ مُقيّدة أقلّ عرضةً من الناحية البنيوية لمخاطر ضغط المكامن المرتبطة بالإغلاق القسري، مقارنةً بالحقول التي تعمل قرب طاقتها القصوى. وهذا الهامش هو السبب الرئيسي وراء توقع أن تكون المملكة في الطرف الأسرع من نطاق تعافي الإنتاج عند إعادة فتح المضيق. لكنّ هذا الهامش مرهونٌ بمدّة الإغلاق. فكلّما طال أمده، ضاق الفارق بين ما يستطيع مسار الالتفاف استيعابه وما يتعيّن على الحقول السعودية خفضه. ![]() ⁉️ الخطر ليس تحت الأرض بل في القوائم المالية التحذيرات المعتادة بشأن الإضرار بالمكامن تركّز على الرقم الخطأ. فأكثر الأمثلة توثيقًا في التاريخ لحقلٍ كربوني تعرّض لإجهادٍ ضغطيٍّ شديد لم يفقد شيئًا يُذكر من إنتاجه — بل خسر أموالًا في فواتير الإصلاح. وللمملكة العربية السعودية مخرجٌ جزئي من الفخّ اللوجستي عبر خط الأنابيب الشرقي–الغربي، يَعزل حقولها عن أشدّ أشكال الإغلاق المفاجئ. لكنّ الكلمة المفتاحية هنا هي جزئي. فالحقول التي تنتج فوق ما يستطيع ذلك الخط استيعابه تظلّ أمام قرارات خفضٍ للإنتاج — وكلّما طال إغلاق المضيق، قلّ انتظام تلك القرارات. بالنسبة إلى المملكة وغيرها من الدول النفطية المتأثرة بالاضطراب الجيوسياسي في الشرق الأوسط، فإن السؤال الذي يطرحه أي اضطراب ليس كم برميلًا سيعود، بل كم ستبلغ كلفة إنتاج تلك البراميل حين تعود — وما إذا كانت فاتورة الإنفاق الرأسمالي المتزايدة ستقلّص تدريجيًا الحيّز المالي الذي تعتمد عليه برامج التحوّل الاقتصادي الكبرى. وتشير الأدلة المستمدّة من أكثر السوابق دلالةً في أدبيات المكامن الكربونية — حقل إيكوفيسك في بحر الشمال — إلى أن الإغلاق القسري يؤثر على تكاليف أي شركة نفطية كبرى قبل أن يطال أحجام إنتاجها. وقد فقد حقل إيكوفيسك — وهو مكمنٌ طباشيري وأكثر صخور العائلة الكربونية عرضةً للانضغاط — نحو 9 أمتار من ارتفاع قاع البحر مع انخفاض الضغط وانهيار الفراغات المسامية. وبلغت كلفة أعمال المعالجة — رفع المنصّات، واستبدال تغليفات الآبار، وإقامة الحواجز الواقية — نحو مليار دولار بأسعار التسعينيات عندما حدثت الأزمة. ومع ذلك، تمكن حقل إيكوفيسك من استخراج نحو 50 في المئة تقريبًا من النفط الموجود في باطنه، مقابل متوسّط عالمي يتراوح بين 30 و35 في المئة، لأن الانضغاط نفسه دفع النفط نحو الآبار. فقد ظهر الضرر في الفولاذ والخرسانة، لا في البراميل. وصخور حقول المملكة العربية السعودية الكبرى — الغوار والسفانية وشيبة — أصلب وأمتن جيولوجيًا من طباشير إيكوفيسك الهشّ. وخسارة الإنتاج التي تتوقّعها السوق ليست ما تشير إليه التجارب السابقة. فما يُرجَّح أن يُنتجه اضطرابٌ جيوسياسي مطوّلٌ يؤثر على إدارة الضغط في الآبار هو تكثيف أعمال صيانة الآبار، وارتفاع تكاليف ضخّ المياه، وزيادة إنفاق أرامكو الرأسمالي — بما يقلّص الموارد المالية التي تساعد على تمويل المشروعات الكبرى في اقتصادٍ متنوّع، دون أن يخفض فعليًا كمية البراميل المتاحة عند إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل إذا انتهت الأزمة بالفعل. ![]()
ملاحظة: يوضّح الرسم أن حقول المملكة العربية السعودية الكبرى، وهي أمتن جيولوجيًا من طباشير إيكوفيسك، تحقّق معامل استرداد مماثلًا أو أفضل قليلًا — نحو 50 في المئة أو أكثر — دون أن تتعرّض لأيٍّ من تلك الأضرار المادية. والمغزى الضمني أنه إذا كان أكثر الحقول الكربونية تضرّرًا في بحر الشمال استخرج من النفط ما يضاهي ما يستخرجه حقلٌ سعوديٌّ جيّد الإدارة، فإن تشوّه المكمن مشكلة تكلفة لا مشكلة إنتاج. معامل الاسترداد هو ببساطة نسبة ما يمكن استخراجه فعليًا من النفط الموجود في باطن الأرض. يحتوي كل مكمن على كمية معيّنة من النفط لا يمكن استخراجها كاملةً أبدًا؛ إذ يبقى جزءٌ منها محتجزًا في مسام الصخور مهما بُذل من جهد. ويبيّن معامل الاسترداد مقدار ما أمكن استخراجه من هذا الإجمالي قبل نضوب الحقل أو التخلّي عنه. ويبلغ المتوسط العالمي ما بين 30 و35 في المئة؛ أي أن نحو ثلثَي نفط العالم يبقى في باطن الأرض بصفة دائمة، يتعذّر الوصول إليه بالتقنيات والتكاليف الحالية. 🪨 الصخر سيصمد، لكنّ الخطر يكمن في الماء وبتطبيق هذا المنطق على المملكة، تبدو المخاطر أقلّ بكثير مما يوحي به ظاهرها — لسببين جوهريين، أحدهما تشغيلي. الأول هو الصخر نفسه. فحقل الغوار الضخم من تكوينات الحجر الجيري، وهو أكثف وأصلب وأمتن بكثير من طباشير إيكوفيسك المسامي. وانهيار المسام الذي أحدث هبوطًا قدره 9 أمتار في بحر الشمال أقلّ احتمالًا بكثير في صخرٍ بهذه المتانة. وإذا كان الطباشير — وهو أكثر الصخور الكربونية عرضةً للانضغاط على الإطلاق — قد حافظ على قدرته الإنتاجية رغم تشوّهٍ شديد، فإن افتراض المخاطر نفسها في الحجر الجيري الأصلب في المملكة يبالغ في تقدير الخطر إلى حدٍّ كبير. وهذا استنتاجٌ لا قياس. فلا توجد بيانات ضغطٍ معلنة عن حقل الغوار، ولا ينبغي اختلاقها حيث لا تتوفّر. لكنّ مجمل الأدلة المتاحة يرجّح الصمود الكبير لا الضعف البنيوي. وموطن الحساسية الحقيقي في الغوار هو إدارة المياه — أي الحفاظ على ضغط المكمن وإبقاء برامج الحقن مستمرّة بثبات بينما يعمل الحقل بمعدّلاتٍ مخفّضة. وهذه مسألة انضباطٍ تشغيلي واستمرارية في الاستثمار، لا مسألة ما إذا كان الصخر نفسه سيصمد في ظل الظروف التي قد يُحدثها اضطرابٌ مطوّل. 🔦 بقاء حقل الغوار منتجًا ليس من قبيل الصدفة منذ عام 2022، تنتج المملكة عند مستوياتٍ أدنى بكثير مما تستطيع حقولها إنتاجه فعليًا. والفارق بين ما تضخّه وما يمكن أن تضخّه — أي طاقتها الفائضة — يبلغ نحو 2.4 إلى 3 ملايين برميل يوميًا. وهذا يعني أن حقولها تواجه الأزمة الجيوسياسية وهي تعمل أصلًا بوتيرةٍ مريحة، لا تحت ضغط. والسبب الثاني التشغيلي والسبب الثاني تشغيلي، وهو ما تقف عنده معظم التحليلات السوقية دون أن تتعمّق فيه. فالإغلاق لم يكن موحّدًا، بل انتقائيًا بحسب نوعية الخام. فخام العربي الخفيف وحده — وهو الخام الرئيسي للمملكة — يمكن نقله عبر خط الأنابيب الشرقي–الغربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ولذلك تركّزت البراميل المتوقّفة في حقول لا يصل خامها إلى ذلك المسار. ولأن أرامكو هي من تختار الحقول التي تخفض إنتاجها، فإن المشغّل الكفء مثلها يوقف أولًا أكثر حقوله تحمّلًا للتوقّف، ويُبقي حقوله الحسّاسة للضغط منتجة، وهو ما حدث بالفعل كخطة تحوط من ارامكو خلال تلك الأزمة. وتعزّز ظروف هذه الأزمة هذا التوجّه: فحقل السفانية البحري الضخم يفقد منفذه التصديري عبر هرمز، بينما يبقى الغوار — البرّي، المنتج لخام العربي الخفيف، الموصول بالأنابيب إلى ينبع — على الإنتاج. لقد أطلق النزاع هذا الاضطراب، لكن تبقى لأرامكو حرية ترتيب تسلسله، وهي حرية تحوّل جزءًا مما يبدو توقّفًا قسريًا إلى ما يقترب من الخفض المُدار. . ومن بين الحقول حقل خريص الذي يعمل بوصفه حقلًا ذكيًا، إذ يضمّ أكثر من 40 ألف مستشعر موزّعة على نحو 500 بئر تغذّي نموذجًا رقميًا للحقل، وهو نظامٌ يُنسب إليه رفع الإنتاج بنحو 15 في المئة. وتراقب غرفة العمليات المركزية الشبكة الأوسع عبر نحو 100 ألف مستشعر — وهي تحديدًا الأدوات اللازمة لترتيب عمليات الإغلاق بالتسلسل الصحيح ورصد مشكلات الضغط مبكرًا. وهذا يخفّض المخاطر، لكنه لا يلغيها.
🔍
سيناريوهان محدودان، ووقف إطلاق النار هو الفيصل بينهما. يتوقّف كل شيء الآن على متغيّرين: مدة استمرار الاضطراب، ومدى سلاسة انتهائه. فإذا أُعيد فتح المضيق وظلّ مفتوحًا، وكانت أرامكو قد رتّبت تخفيضاتها وأبقت حقن المياه مستمرًّا في الحقول المهمة، فإن الخسائر تكون لوجستية ومالية لا جيولوجية. فقد تعطّلت الصادرات، وتأجّلت الإيرادات، وامتلأت الخزّانات — وكلّها أمور قابلة للاسترداد. تعود البراميل، ويُذكَر الحدث بوصفه أشهرًا قليلة مكلفة من إعادة التوجيه، لا جرحًا دائمًا في قاعدة الموارد. أما السيناريو الأصعب فما يُبقيه قائمًا ليس الجيولوجيا، بل بنود وقف إطلاق النار. فمذكرة التفاهم الحالية تضمن المرور دون رسوم لمدة 60 يومًا فقط، في حين يُتوقَّع أن يستغرق تطهير الألغام البحرية وحده 30 يومًا. وقد أبدت إيران نيّتها التفاوض على دورٍ إداريٍّ مستمر في المضيق، فيما تبقى المسألة النووية معلّقة. ومن هنا قد يفشل المسار المطمئن بإحدى طريقتين: إما أن تنهار المفاوضات فيطول أمد الإغلاق، وإما أن يصمد وقف إطلاق النار ثم ينهار ثم يصمد من جديد — فتُدفع الحقول إلى دورات متكرّرة من الإغلاق وإعادة التشغيل. وهذا النمط المتقطّع هو الحالة الأشدّ صعوبةً فعلًا، لأن تذبذبات الضغط المتكرّرة أقسى على المكمن من توقّفٍ واحدٍ مُدار.
🎯 الخلاصة سيعود تصدير البراميل. أما ما وضعه هذا التوقف تحت ضغطٍ حقيقي فهو كلفة إنتاجها — عبر استمرارية برامج الحقن، ومواعيد التدخّل في الآبار، والإنفاق الرأسمالي الذي يُسرّعه اضطرابٌ مطوّل أو متقطّع. وهذه مسألة تتعلّق بالميزانية، لا بما هو مدفون في باطن الأرض. وتدخل المملكة العربية السعودية مرحلة التعافي في وضعٍ أفضل من أي منتجٍ آخر: مكامن أمتن جيولوجيًا، ومنفذ تصدير بديل جزئي حفظ لها قدرًا من حرية الإدارة خلال الاضطراب، وطاقة فائضة دخلت الأزمة وهي تعمل أصلًا بوتيرةٍ متّزنة، وبنية مراقبة تتيح ترتيب أي إعادة تشغيل بذكاء. وهذه الميزة حقيقية، لكنها مشروطة أيضًا. فهي قائمة ما دام حقن المياه ودعم الضغط قد استمرّا في الحقول التي تحتاج إليهما، وما دامت إعادة التشغيل، حين تأتي، منظَّمةً لا مفروضةً بمواعيد جيوسياسية. |
|
|
Argaam.com حقوق النشر والتأليف © 2026، أرقام الاستثمارية , جميع الحقوق محفوظة |