في ساحة الذكاء الاصطناعي شديدة التنافس، حيث تُبنى الثروات الطائلة أو تُحطّم على محك وعود المستقبل، تصدّرت شركة "بيلدر دوت إيه آي" (Builder.ai) البريطانية الناشئة عناوين الأخبار في 2023، بعدما نجحت في تأمين تمويل ضخم بقيمة 250 مليون دولار قاده جهاز قطر للاستثمار (QIA)، أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.
لكن خلف هذه الصورة البراقة تلوح قصة تحذيرية تكررت كثيراً، فهل كان مقدراً لشركة بيلدر دوت إيه آي أن تكون الضحية الشهيرة التالية في مشهد يزخر بالمبالغة في التقييم والضجيج الإعلامي ونماذج الأعمال التجارية غير المربحة؟
يعتمد تحليلنا على تجربة الصندوق السيادي القطري مع بيلدر دوت إيه آي كنموذج يكشف المخاطر الكامنة وراء اندفاع الاستثمارات في شركات الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى مراجعة أكثر رصانة لمخاطر الرهانات غير المحسوبة على بعض الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي.
في البداية، استغلّت الشركة الناشئة الأموال القطرية وغيرها من الاستثمارات لتطوير برنامج مدعوم بالذكاء الاصطناعي، أطلقت عليه ناتاشا (Natasha)، لمساعدة مديري المشاريع على تقسيم الأعمال إلى خطوات قابلة للتنفيذ. كما ركّز نموذجها على تمكين غير المتخصصين من تصميم مواقع إلكترونية وتطبيقات دون الحاجة إلى خبرة تقنية أو معرفة بالبرمجة، فضلاً عن منصات تُتيح للمبرمجين استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحرير واختبار الأكواد البرمجية.
لكن سرعان ما بدأ هذا النموذج الثوري في الانهيار بنفس السرعة التي بدأ بها.

🔎
إخفاء العنصر البشري في زي الذكاء الاصطناعي
تبين أن بيلدر دوت إيه آي اعتمدت على شبكة واسعة من الموظفين والمطورين الخارجيين في دول مثل الهند وأوكرانيا، لتنفيذ الجزء الأكبر من عملها، في الوقت الذي روّجت فيه لنفسها كمنصة قائمة على الذكاء الاصطناعي بالكامل. هذه الفجوة بين الادعاء والواقع تسلّط الضوء على قضية محورية ناقشتها دراسة أكاديمية عن المبالغة في تقييم قدرات الذكاء الاصطناعي واقترانها بنماذج أعمال غير مستدامة.
هذه الحقيقة لم تُكشَف للمستثمرين من قبل مؤسس الشركة ساشين ديف دوغا، الذي أجرت معه هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مقابلة في 2024 بصفته خبيراً في الذكاء الاصطناعي، كما منحته إرنست آند يونغ لقب رائد أعمال العام في المملكة المتحدة في العام نفسه!
تناولت إحدى الدراسات التي نُشرت في يناير 2025 تحت عنوان: تحليل احتمالات انهيار قطاع الذكاء الاصطناعي وتداعياته الاقتصادية، ظاهرة الغسيل بالذكاء الاصطناعي (AI-washing)، وهي ممارسة تبالغ فيها الشركات في تصوير دور وقدرات الذكاء الاصطناعي في عملياتها لجذب الاستثمارات واهتمام السوق، بينما تعتمد في الواقع بشكل كبير على العمليات البشرية التقليدية.
في المراحل الأولى، قد تجذب شركة ناشئة مثل بيلدر دوت إيه آي تمويلاً إجمالياً بقيمة 450 مليون دولار بناءً على وعود بقدرات ثورية، لترتفع قيمتها السوقية من رقم صغير (لم تكشف الشركة عن قيمتها السوقية رسمياً) إلى 1.5 مليار دولار (وهي القيمة المثبتة لها رسميا) خلال فترة وجيزة، حتى في ظل تحقيقها إيرادات وأرباح ضئيلة أو شبه معدومة.

ومع تعثر التقنية وفشلها في تقديم نتائج تغير وجه الصناعة، تتغيّر معنويات المستثمرين وتجف مصادر التمويل ويهوى تقييم الشركة. جاء انهيار بيلدر دوت إيه آي اللاحق نتيجة لسلسلة من الممارسات المالية الاحتيالية والمضللة. فقد عدل المدققون أرقام مبيعات الشركة المبلغ عنها سابقاً، غالباً بالخفض، ما كشف أن التقارير المالية السابقة كانت غير دقيقة ومبالغ فيها بشكل فادح.
ونتيجة لذلك، سارع مُقرض رئيسي، لم تكشف الصحافة البريطانية عن اسمه، للاستيلاء على جميع الاحتياطيات النقدية للشركة لاسترداد الديون المستحقة. وهي خطوة تُتخذ عادةً لحماية مصالح المُقرض في ظل تدهور الوضع المالي للشركة. ومع تجميد أصولها النقدية وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها، لم يكن أمام الشركة الناشئة سوى إعلان إفلاسها في المملكة المتحدة في يونيو 2025.
💸
142 مليون دولار من المبيعات الوهمية
كشفت التحقيقات أن الشركة سجّلت 142 مليون دولار كمبيعات من موزعين لم يسددوا أي مبالغ فعلية. تضخم هذه الممارسة أرقام الإيرادات دون توليد تدفق نقدي حقيقي، مما يضلل جميع الأطراف المعنية حول الوضع المالي للشركة.
كما زعمت الشركة أنها حققت 107 مليون دولار من عملاء اكتفوا بإيداعات رمزية لا تتجاوز أحياناً دولاراً واحداً. يشير ذلك إلى تسجيل الإيرادات مسبقاً أو على نحو غير متناسب، إذ لا تُعادل الإيداعات البسيطة مبيعات قانونية أو تدفقات نقدية واردة. وقد أدّت هذه الممارسات، مجتمعة، إلى تضخيم الإيرادات بنسبة 300%، ومن ثم رسم صورة مالية مضللة للمستثمرين.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل كشفت وثائق قضائية في المملكة المتحدة أن بيلدر دوت إيه آي مارست أسلوباً احتيالياً آخر يُعرف بـ التدوير المالي (Round-Tripping)، حيث تبيع الشركة الأصلية خدمات أو منتجات لشركة أو جهة أخرى، والتي غالباً ما تكون مرتبطة بها، ثم تعيد تلك الجهة نفس الأموال أوما يعادلها إلي الشركة الأصلية وكأنها إيرادات قانونية، مما يخلق وهماً بوجود نشاط تجاري مزدهر وارتفاع الإيرادات دون أي نفع اقتصادي حقيقي أو تدفق نقدي فعلي.
📈
من %18 إلى %58 في عامين فقط!
في غضون عامين ونصف فقط، شهدت خريطة رأس المال المخاطر العالمي تحولاً جذرياً بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي. فقد كان إطلاق تشات جي بي تي (ChatGPT) في أواخر 2022 بمثابة نقطة تحول، حيث تدفق نحو 18% من رأس المال المخاطر العالمي إلى شركات الذكاء الاصطناعي وتعليم الآلة، وفقاً لمنصة بيتش بوك (PitchBook) المتخصصة في تتبع أسواق الأسهم الخاصة والعامة.
لكن هذا الرقم تضاعف أكثر من ثلاث مرات ليصل إلى 58% خلال النصف الأول من 2025. في الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما، استقطبت الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تمويلاً إجمالياً بقيمة 30 مليار دولار حتى الأول من يوليو هذا العام، وهو ما يمثل 38.4% من إجمالي قيمة صفقات استثمارات رأس المال المخاطر حتى الأول من يوليو.

● الحصة من القيمة (Share of Deal Value): تشير إلى الحصة من القيمة المالية الإجمالية للصفقات التي خُصصت لشركات معينة مقارنة بإجمالي الصفقات.
● الحصة من العدد (Share of Deal Count): تشير إلى الحصة من عدد الصفقات التي شاركت فيها هذه الشركات مقارنة بإجمالي عدد الصفقات، بغض النظر عن حجمها.
شهد قطاع ديون رأس المال المخاطر أيضاً نمواً هائلاً، حيث سُجلت قروضاً قياسية بلغت 53.3 مليار دولار في العام الماضي، بزيادة بلغت 94.5% مقارنةً بعام 2023. ويعود هذا الارتفاع بشكل كبير إلى لجوء الشركات الناشئة في المراحل المتقدمة، والتي تواجه صعوبات في تلبية توقعات النمو المرتفعة لدى مستثمري رأس المال المخاطر، إلى الاستدانة من أجل الحفاظ على تقييماتها السوقية.
اليوم، تواجه شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة المشكلة نفسها في بداياتها، إذ تعجز عن مواكبة سقف التوقعات المرتفع.
ويبدو أن صندوق الثروة السيادي القطري تبنّى نهجاً أكثر حذراً في أعقاب تجربة بيلدر دوت إيه آي، فبات يكتفي بحصص أقلية في الشركات الناشئة، في غالبية الأحيان، لا تتجاوز 15% من الأسهم، مع تقليص حجم استثماراته في الصفقة الواحدة إلى نحو 100 مليون دولار، وأحياناً إلى 25 مليوناً فقط، وفقا لبيانات حصلت عليها بلومبرغ.
ومع ذلك، لا يزال الصندوق ملتزماً بالاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي، لاسيما في شركات البرمجيات الممتازة، كما يتضح من مساهمته البارزة في داتابريكس (Databricks) عام 2023، والتي قُدرت قيمتها السوقية مؤخراً بأكثر من 100 مليار دولار.

🔦
إعادة النظر في دورة حياة الأصول
يبرز تزايد الاستثمار في الشركات الناشئة المتخصصة في أجهزة الذكاء الاصطناعي، والتي تتمثل أصولها الأساسية في البنية التحتية المادية مثل مراكز البيانات ووحدات معالجة التصميمات المرئية (GPUs). في حين يعكس هذا التوجه تفاؤلاً بشأن سوق الذكاء الاصطناعي، إلا أنه ينطوي على مخاطر متزايدة بسبب التقادم السريع لهذه الأصول.
يعكس هذا الاتجاه تفاؤلاً استثمارياً واسعاً بإمكانات سوق الذكاء الاصطناعي من جهة، لكنه يكشف مستويات مرتفعة من المخاطر من جهة أخرى. فإذا فشلت هذه الشركات في تحقيق العوائد المتوقعة، قد تتأثر قدرتها على سداد التزامات ديونها.
يتمثل أحد أبرز المخاوف في قِصر العمر التشغيلي مثلا لبعض أنواع الرقائق الإلكترونية، وما يترتب عليه من آثار مالية، خاصةً فيما يتعلق بطرق الإهلاك المحاسبي للأصول الرأسمالية. عادةً ما يُهلك الاستثمار في الأصول المادية، مثل الأجهزة، على مدى 7 إلى 10 سنوات بما يعكس عمرها الإنتاجي.
لكن إذا تقادمت الرقائق خلال فترة وجيزة، فإن الشركات تُجبر على تسريع جداول اهلاكها، مما يزيد المخصصات السنوية لهذا البند في بيانات الدخل الخاصة بها كما توضح دراسة أكاديمية بعنوان: الثورة الصناعية الرابعة: تقييم التطبيقات التقنية كأصول ضمن جرد دورة الحياة.
يؤدي تسريع الإهلاك إلى انخفاض القيمة الدفترية لهذه الأصول بوتيرة أسرع، مما يرفع التكاليف في المدى القريب ويضغط سلباً على الأرباح المعلنة. كما أن ارتفاع الإنفاق الرأسمالي (CapEx) وتزامنه مع جداول إهلاك أسرع يقلص التدفقات النقدية، وهو ما يضيّق الحيز المالي المخصص للاستثمارات الأخرى أو للعمليات التشغيلية.
على الرغم من الإمكانات الهائلة لقطاع الذكاء الاصطناعي، إلا أنه لا يزال محفوفاً بمخاطر جمة. فالعديد من الشركات في هذا المجال مازالت في مراحلها الأولى، والاستثمار بكثافة في قطاع يتطور بهذه السرعة ينطوي على حالة من عدم اليقين ينبغي على جميع الأطراف المعنية أخذها في الاعتبار.